لوجه الله:
في مثل هذا الوقت من كل عام نتطلع جميعا إلى رحلة العمر، إلى الحج والعمرة والتشرف برؤية الكعبة المشرفة والطواف حولها، وزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وإلقاء السلام على رسول الإنسانية وصحابته الكرام عليهم رضوان الله.. تلك الرحلة التي لا يمكن أن يملها الإنسان، ويتطلع إلى تكرارها كلما أتيحت له الفرصة، لكن السؤال المهم الذي يفرض نفسه قبل موسم الحج كل عام، هل مطلوب من المسلم القادر ماديا وبدنيا أن يكرر الحج والعمرة.. أم أن إنفاق تكاليف هذه الرحلة على الفقراء والمحتاجين يجلب له ما هو أعظم وأفضل من ثواب الحج والعمرة، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة في معظم بلادنا العربية، وهناك أسر تعاني من الحاجة وتتعفف عن سؤال الناس؟
كما نعرف جميعا أن الحج مطلوب من المسلم المستطيع مرة واحدة في العمر، عملا بقول الحق سبحانه: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، ولذلك فإن تكرار هذه الرحلة المباركة هو من باب التطوع مثل صلاة النافلة، والله سبحانه وتعالى يكافئ المسلم على كل عمل يتقرب به إليه مادام صادقا في نيته، لكن هناك أولويات يأتي في مقدمتها الآن تلبية حاجات الفقراء وغيرهم من المحتاجين مثل الغارمين والغارمات، والمرضى الفقراء، وطلاب العلم الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقونه على استكمال تعليمهم.
لذلك دعا كثير من العلماء ورجال الفتوى فى بلاد عربية وإسلامية كثيرة القادرين ماديا الذين يحرصون على السفر سنويا، أو على فترات متقاربة لأداء مناسك الحج والعمرة بالتبرع بنفقات سفرهم للفقراء وأصحاب الحاجات، وأكدوا أن التبرع لأعمال الخير ومساعدة الفقراء والمرضى غير القادرين أكثر أجرا وثوابا وقربى إلى الله من حج التطوع وتكرار العمرة، حيث سقطت فريضة الحج عن أصحابها بمجرد أدائها للمرة الأولى.
**
وحتى لا تختلط الأوراق نؤكد أن الإنسان القادر ماديا الذى يحرص على تكرار الحج والعمرة لا يهدر أمواله فيما لا يفيد كما قد يفهم البعض.. بل الانفاق على أداء العبادات التطوعية أفضل كثيرا من إنفاقها على رحلات سياحية أو ترفيهية قد ترتكب فيها محرمات.. إلا أن هناك ما يعرف فى ديننا ب (فقه الأولويات) وهو فقه ينبغى أن ندرك جميعا مقاصده ويعنى: أن نرتب أولويات نفقاتنا.. لذلك يبادر كثير من أهل الخير والوعى الدينى ممن سبق لهم أداء فريضة الحج في توجيه نفقات حجهم التطوعي إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين، وأنا شخصيا أعرف أشخاصا قدموا نفقات حجهم التطوعى لأصحاب حاجات خلال السنوات الماضية وقام أحدهم العام الماضى بشراء عجل وذبحه ووزع لحمه على الفقراء، وقال: إطعام هؤلاء أولى من السفر للمرة الثالثة لتكرار الحج.
من هنا نأمل من كل قادر ماديا سبق له أداء فريضة الحج أو كرر السفر في هذه الرحلة المباركة من قبل أن يعيد حساباته، وأن يقدم الأموال التي ينفقها في رحلات الحج التطوعية إلى الفقراء والمرضى وأصحاب الحاجات، أو تزويج الفتيات القادرات لأنه بذلك يسهم في حل مشكلتين كبيرتين هما: مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهذا أمر مهم للغاية وواجب ديني واجتماعي، وتخفيف حدة الزحام في الحج وإعطاء الفرصة لمن لم يسبق لهم أداء الفريضة لكي يؤدونها في سهولة ويسر.
مجتمعاتنا الإسلامية عموما الآن في أمس الحاجة إلى مضاعفة الجهود الخيرية والعطاء الإنساني لتقديم العون للفقراء والمحتاجين، خاصة في ظل حالة الغلاء التى نعيشها والتى صعبت الحياة على كثير من الأسر، ورحلة الحج أصبحت مكلفة جدا الآن.. وتقديم نفقاتها أو جزء من تلك النفقات لتلبية مطالب أصحاب الحاجات من الفقراء ومحدودى الدخل سيكون أكثر أجرا وثوابا من تكرار الحج والعمرة إن شاء الله.
ما أعظم أن نحي فى نفوسنا جميعا، وأن نربي أبناءنا منذ الصغر على القيام بواجب التكافل الاجتماعي، وعلى رعاية الفقراء والمحتاجين، وعلينا أيضا أن نعلم الناس أن ما ينفقونه على الفقراء والمحتاجين ليس تفضلا، وإنما هي حقوق قررها الإسلام لتحقيق التكافل الاجتماعي ويجب الوفاء بها، والله سبحانه وتعالى هو الذي يقرر ذلك في قوله تعالى: "وفي أموالهم حق للسائل والمحروم"، ويأمر الله نبيه أن يأخذ الصدقات من الأغنياء تطهيرا لنفوسهم من رذيلة الشح والبخل وتزكية لأموالهم فيقول: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها".
وهنا نطالب الدعاة وخطباء المساجد بنشر الوعى الديني بأهمية مساعدة الفقراء وأصحاب الحاجات أكثر من حرصهم على النوافل، وفى هذه الأيام ينبغى توضيح أحكام الحج للجماهير وأن هذه الفريضة مطلوبة من المسلم مرة واحدة في العمر، وأن "فقه الأولويات" في شريعتنا الإسلامية يؤكد أن قضاء حوائج الناس أولى من حج النافلة
**
فى حوار صحفى سألت شيخ الأزهر الراحل د.محمد سيد طنطاوى – رحمه الله- عن تكرار كثير من القادرين ماديا للحج والعمرة فقال: نقدر العاطفة الدينية لهؤلاء، ونحيى فيهم الحرص على العبادات والطاعات، لكن لا يجوز الحرص على أداء عبادة تطوعية وإهمال فريضة مثل فريضة الزكاة، أو عمل خيرى إنساني لا يقل أجره وثوابه عن تكرار الحج والعمرة مثل الصدقات التطوعية، ولذلك نحث الجميع على عمل الخير، لأن تخفيف آلام مريض فقير، أو مساعدة أسرة فقيرة على تزويج ابنتها أهم من السفر لأداء عبادة تطوعية.
وأضاف: الدعوة إلى ترشيد حج التطوع والنصيحة بعدم تكرار العمرة كل عام ليس تضييقا على القادرين كما قد يتصور البعض، لكن في هذه الدعوة تبصير للمسلم بالأولويات التي ينبغي أن يرتب حياته عليها، فرحلات الحج والعمرة أصبحت مكلفة الآن من الناحية المادية، كما أنها تسبب إرهاقا بدنيا لكبار السن والمرضى، وتعاليم ديننا في هذا الأمر واضحة، فالحج مفروض على المسلم مرة واحدة في العمر وبمجرد أدائه في أية مرحلة من مراحل عمر الإنسان تسقط عنه الفريضة، والعمرة ليست فريضة على المسلم، ويستطيع المسلم القادر ماديا وبدنيا أن يكرر هذه الرحلات على فترات متباعدة ليلبى حاجته النفسية بزيارة الأماكن المقدسة والتشبع منها روحيا، أما التكرار كل عام أو على فترات متقاربة ففيه مبالغة وتضييق على الذين لم تتح لهم بعد السفر لأداء الفريضة.