لوجه الله
للأسف.. لم نعد نقرأ أو نسمع عن التدخين والمدخنين إلا ما يتعلق بأسعار السجائر وما يطرأ عليها من تغيير كل فترة.. أما مخاطر هذه السجائر على الكبار والصغار فأصبح فى طى النسيان لم تعد تتحدث عنه وسائل الإعلام والثقافة إلا على استحياء!!
منذ أيام وجدت أربعة من الأطفال يقفون على مقربة من سنتر للدروس الخصوصية وفى يد كل واحد منهم سيجارة فاقتربت منهم وسألتهم عن سبب وقوفهم فى هذا المكان فرد أحدهم نيابة عنهم أنهم ينتظرون دخول (السنتر) من أجل درس الرياضة.
حاولت كسب ود الأطفال ووضحت لهم خطورة التدخين فشعر اثنان منهم بالخجل وألقيا بالسيجارة على الأرض.. بينما عاند الآخران واستمرا فى التدخين ورد أحدهما بكل بجاحة بأن التدخين لا يفعل شيئا بدليل أن والده يدخن أكثر من علبتين يوميا وصحته كويسة جدا !!
والواقع أن تدخين الأطفال أصبح مصيبة كبرى لا ينبغى السكوت عنها أو إهمال مواجهتها، حيث أكدت الدراسات أن بعض الأطفال يقبلون على تدخين السجائر والشيشة، دون دراية بحجم المخاطر الجسيمة التي تسببها هذه العادة المدمرة لصحتهم، وأن هناك عوامل كثيرة تقودهم الى ذلك أبرزها افتقاد القدوة الطيبة فى البيت والمدرسة، فالأب الذى يدخن أمام أطفاله لا يمكن أن يقنعهم يوما ما بخطورة التدخين على صحتهم، كما أنه يفتقد الوسيلة التربوية والأخلاقية لاقناع أطفاله بالبعد عن التدخين.
وهنا يعرب د.جمال شعبان، العميد السابق للمعهد القومي للقلب، عن قلقه من انتشار ظاهرة التدخين بين الأطفال والمراهقين في مصر ويناشد الآباء بتوعية أبنائهم بأضرارها.. ويقول: عدد الأطفال المدخنين في مصر الأقل من 15 عاما يبلغ أكثر من نصف مليون، بينما الأطفال في المرحلة الابتدائية قد يتجاوز 70 ألف، بحسب المركز القومي لمكافحة التدخين.
وأضاف: يحدث هذا فى الوقت الذى تؤكد الأبحاث الطبية أن التبغ يحتوي على 40 مادة مسرطنة وأكثر من 7 مواد تزيد من خطر الإصابة بتصلب الشرايين والنوبة القلبية والشيخوخة المبكرة.
لذلك يوصى طبيب أمراض القلب الشهير الأمهات بإبعاد أطفالهن عن المدخنين، مؤكدا أن الذين يستنشقون دخان السجائر معرضون لنفس أضرار من يدخنها.
وأكد د. شعبان أن الشيشة تعتبر أكثر خطورة من تدخين التبغ على عكس ما يشاع عنها، مؤكدا أن الحجر الواحد يعادل علبتين من السجائر أو أكثر.. كما حذر من السجائر الإلكترونية ونفى صحة الاعتقاد الشائع الذي يفيد بأنها أقل ضررا من السجائر العادية.
**
الحقيقة المرة التى ينبغى أن نواجهها بكل شجاعة ولا نغفل عنها لحظة واحدة هى أن التدخين لا يزال الخطر الداهم الذى يهدد حياتنا وحياة أطفالنا، فهو يهلك صحتنا، ويهدر جزءا كبيرا من مواردنا الاقتصادية.. وهو الذى يستحق أن تنظم من أجل انقاذ شبابنا منه حملات لا تتوقف، وتوعية تشمل كل فئات المجتمع المصرى، تشارك فيها كل مؤسسات الدولة الصحية والاجتماعية والثقافية والدينية.
الإحصاءات والدراسات والتقارير التى ترصد مخاطر التدخين تكشف عن حقائق مزعجة للغاية، فكوارث التدخين الصحية مخيفة لكل ذى عقل سليم، فهو عامل مشترك وسبب مباشر لكل الأمراض الخطيرة.. والتقارير الاقتصادية التى ترصد ما يهدر على التدخين من أموال طائلة، مزعجة هى الأخرى بعد أن أشارت إحدى الدراسات الى أن 64% من المصريين ينفقون ما بين 8% و20% من دخولهم على التدخين.. ومع ذلك ينتشر التدخين بين كل الفئات الاجتماعية والعمرية، وتتضاعف كل عام خسائره، وتداعياته الصحية والاقتصادية.. مما يؤكد تحوله من ظاهرة مزعجة الى ( مشكلة صحية اقتصادية بيئية ) كبرى تفرض على القائمين على شئون حياتنا البحث عن وسائل جديدة للمواجهة للحد من ظاهرة التدخين وانقاذ الشباب منه، أو على الأقل التقليل من تداعياته الخطيرة على المجتمع.
**
الحقائق الطبية عن مخاطر التدخين تفرض علينا ضروة تكثيف حملات المواجهة الصحية والاجتماعية والدينية حيث يلعب الدين وتوجيهاته دورا مهما فى بلورة وتحديد سلوكيات الإنسان.. كما ينبغى أن تتخذ المؤسسات التربوية والتعليمية إجراءات مكثفة لانقاذ الأطفال والشباب من مصائب وكوارث التدخين، ويجب أن يكون لوسائل الإعلام والثقافة الدور الأكبر فى حملات المواجهة لإنقاذ المجتمع كله من مخاطر وتداعيات التدخين الصحية والبيئية والاقتصادية، ولنا أن نتأمل حجم ما يهدر على التدخين من أموال طائلة، فضلا عن الأموال التى تنفق سنويا لعلاج الأمراض الناجمة عن التدخين
العقل والمنطق يقول بضرورة تذكير المواطنين من مختلف الأعمار وبخاصة فئة المراهقين والشباب بالحقائق الطبية التى تكشف عن مخاطر التدخين، وإنشاء مراكز صحية لتوعية المدخنين ومدهم بالمعلومات والنصائح والإرشادات التى تساعدهم على الإقلاع عن التدخين، وتحذر غير المدخنين من التدخين السلبى.
كما ينبغى أن تشدد وزارة الصحة ونقابة الأطباء فى اتخاذ إجراءات عقابية ضد الأطباء المدخنين باعتبارهم "قدوة سيئة" لباقى فئات المجتمع، ورصد ظاهرة التدخين بين الأطباء أصبحت ظاهرة ملفتة للنظر فالطبيب ينبغى أن يكون قدوة للآخرين فى سلوكه الصحى وفى تجنب العادات والممارسات السلوكية الضارة.. كما ينبغى أن تواجه وزارة التربية والتعليم ظاهرة تدخين المدرسين داخل المدارس بكل جدية وردع، لأن المدرس المدخن قدوة سيئة لتلاميذه.
لقد أكد العديد من أساتذة الطب النفسى أن التدخين "حالة نفسية" وليس إدمانا، والنيكوتين الموجود فى التبغ يمكن التخلى عنه بسهولة، لذلك نتطلع الى إنشاء عيادات ومراكز تأهيل نفسى للمدخنين وتقديم حوافز جيدة للذين يقلعون عن هذه العادة السيئة.
يقول د.أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسى الشهير: التدخين ليس إدمانا كما يتوهم البعض، والارتباط بالسيجارة لا يرجع إلى إدمان النيكوتين الموجود بها، لكنه حالة نفسية بحتة، فالإنسان يبحث عن السيجارة عندما يصاب بالتوتر أو الإحساس بالضيق أو عند التفكير وعند الإحساس بالاكتئاب، فإذا زادت الصراعات في حياة الإنسان فإن عدد السجائر سوف يزيد.. والضغوط النفسية تضاعف من الاقبال على هذه العادة الضارة والمدمرة، وكلما خفت الضغوط النفسية انحسر وباء التدخين، ولذلك ننصح كل أسرة لديها فرد أو أكثر من المدخنين أن توفر لهم قدرا من الاستقرار النفسي وتشملهم برعاية نفسية خاصة، لأن هذا من شأنه مواجهة وباء التدخين بأسلوب عملي بعيدا عن النصائح والتوجيهات والتحذيرات التي غالبا ما يتجاهلها الإنسان ويستمر في التدخين.