عيون الشعب
قد لا يعرف الجيل الجديد من هو حافظ محمود .. احد فرسان الصحافة المصرية العظام على مدى التاريخ .. نموذج للصحفى الذى يعشق مهنته بصدق .. وهو من مواليد ١٢ يونيو ١٩٠٧ بالقاهرة .. يحكى لنا قصة حياته فى كتابه الرائع " حكايات صحفية " .. كشاهد على العصر .. اصدره فى سبتمبر ١٩٨٤ والأستاذ حافظ محمود .. من صحفى جريدة الجمهورية وكبار كتابها .. وقد بدأ ينشر مقالاته فى الجمهورية فى ١٣ سبتمبر سنة ١٩٦٧ تحت عنوان " الذكريات " ثم نشر بعد ذلك " ذكرياتى " فى اول كتاب للجمهورية فى ابريل سنة ١٩٦٨ .. وله عدة كتب جميعها عن الصحافة : نجوم الصحافة _ حكاية صحفي _ مذكرات صحفي _ أرشيف صحفي _ المعارك _ حكاية الأيام _ شخصيات وراء التاريخ _ القاهرة بين جيلين _ مذكرات منسية _ ذكريات شخصية _ وكان احدث كتبه " حكايات صحفية " .. قبل ان يغادر دنيانا فى ٢٦ ديسمبر ١٩٩٦ .. يقول الكاتب الكبير : اننا لا نستطيع أن نصنع قدرنا .. ان قدرنا هو الذى يصنعنا .. يحكى بداياته وهو فى الخامسة من عمره .. حيث سمعته زوجة عمه بالصدفة وهو يغنى .. كانت سيدة من أصل تركى .. كان مصيفها السنوى فى بلدتها بتركيا .. قررت أن تصحبه الى اسطنبول فى الصيف لتلحقه بمعهد للموسيقى هناك ..ويرفض عمه هذا الاقتراح .. قائلا : اذا كان صوت هذا الولد جميلا .. فلنعلمه القرآن ليصبح مقرئا مشهورا .. كما رفضه والده ايضا مرددا : اريد ابنى ان يكون قاضيا او محاميا .. ليس مطربا ولا مقرئا .. وكان الأب يوحى الى ابنه منذ بدأ يتعلم القراءة والكتابة .. ان يعد نفسه محاميا او قاضيا .. لدرجة انه كان فى الابتدائى والإعدادى يجسد فى التمثيليات المدرسية شخصية القاضى والمحامي .. ونظرا لنبوغه وتفوقه تم الحاقه بالصف الثاني الابتدائى مباشرة دون المرور بالصف الأول بمدرسة ام عباس الابتدائية .. وجاء موت والده صدمة .. والحقه عالم الفسيولوجى المرحوم الدكتور انيس انسى وهو من ابناء عمومته .. بالعمل مع ابنه كمساعدين له فى معمل التحاليل الطبية الذى يمتلكه بشارع قصر النيل .. كإعداد مسبق للالتحاق بكلية الطب .. حيث كان د. انيس أبرز اساتذتها فى ذلك الوقت .. وقد اصبح بالفعل ابن العم طبيبا اما حافظ محمود .. فلم يتغير رأيه .. حيث التحق بكلية الآداب .. واتجه الى الصحافة التى اطلق عليها فى هذا الوقت مهنة المغامرين .. وقد أحضر له احد الاقارب استمارة التحاق بالمدرسة الالهامية للصنائع .. قسم الطباعة .. تمهيدا لعمله فى الصحافة .. وامام هذه المدرسة كانت مدرسة الليسيه الفرنسية بباب اللوق .. وعلى بابها اعلانا ضخما بأن المدرسة تعطى دروسا ليلية فى اللغة الفرنسية مقابل ٣٠ قرشا فى الشهر .. وكان معه هذا المبلغ الذى قبضه من أمه قبل ساعة كمصروف الشهر .. قفز الى داخل المدرسة ودفع الثلاثين قرشا .. ليصبح طالبا ليليا لدراسة اللغة الفرنسية .. يقول كاتبنا الكبير انه دخل الصحافة طالبا تحت التمرين .. بدون اجر .. وفى سنة ١٩٣٥ تم ترشيح حافظ محمود وتعاقد بالفعل للعمل مديرا لتحرير جريدة الجامعة الإسلامية اليومية فى يافا .. لكن اعترضت عليه السلطات البريطانية .. تأثر بقصص محمود تيمور .. وانعكس ذلك على مقالاته .. التى بدأها بسلسلة مقالات تحت عنوان : خواطر ومشاهدات .. يقول الكاتب الكبير انه اصبح ينظر إلى الحياة العامة على انها : ادب واجتماع وسياسة .. وأصبح حافظ محمود اصغر رئيس تحرير فى مصر فى ذلك الوقت وعمره ٢٥ عاما .. وردا على ما آثاره د. طه حسين من ان الأدباء الشبان لا يعتمدون على أنفسهم .. أنشأ " رابطة العشرين " لكل من لم يتجاوز العشرين من عمره برئاسة محمود تيمور .. وانضم اليها : زكى طليمات _ محمود طاهر لاشين _ محمود عزمى .. بعد ان رفع تيمور السن الى ٣٠ عاما .. وكان اجتماع الرابطة فى منزل تيمور .. وفى حى الحسين .. وفى محل الحلوجى .. مطعم الفلافل الشهير .. وقد أصدر حافظ محمود كتابا حول طلعت حرب وعلى التسعة عشر شركة التى اسسها .. وقد وجد ان طلعت حرب طالب بتأميم قناة السويس فى مقال نشر سنة ١٩١٠ .. وأصبح حافظ محمود رئيسا لتحرير جريدة حزبية " السياسة " لسان حزب الاحرار الدستوريين .. وكاتب مقال بنظام القطعة فى مختلف المجلات والجرائد ومنها : المصرى _ المجلة الجديدة لسلامه موسى _ الفصول لزكى عبد القادر _ الهلال الشهرى لآل زيدان .. وكان اكبر مكافأة على مقال من الهلال عشرة جنيهات فى الثلاثينات مبلغا كبيرا .. وعمل بعد ذلك رئيسا لتحرير جريدة القاهرة لصاحبها اسعد داغر والتى مولها الملك فيصل كجريدة تصدر من القاهرة تدافع عن القضايا العربية كلها .. وكان من بين اعمدة هذه الجريدة : الصحفيات القديرات : عواطف عبد الجليل صاحبة اول صفحة علمية فى الصحافة المصرية .. والصحفية المرموقة هدى توفيق صاحبة اول باب دبلوماسي .. حتى كان أصدقاء حافظ محمود يسألونه عن اخبار الدبلوماسية .. وعندما كان يقول لهم .. من أين لى ان اعرف اخبار الدبلوماسية .. كانوا يردون من هدى توفيق .. والمرحومة مريم خالد .. بالاضافة إلى الرسام زهدى وصلاح جاهين .. وتوقفت الجريدة بموت صاحبها اسعد داغر فى عام ١٩٥٩ .. فالقانون قبل سنة ١٩٦٠ لم يكن يجيز اصدار جريدة بدون صاحب لها .. يقول حافظ محمود ان اول نقابة أنشئت فى مصر هى المحامين فى سنة ١٩١٢ ونقيبها الأول ابراهيم الهلباوى الذى ظل يترافع فى المحاكم حتى آخر يوم في حياته فقد عاش الى سن ٩٣ عاما .. ثم الصحفيين فى ٣١ مارس ١٩٤١ .. لعب حافظ محمود دورا اساسيا فى انشاء نقابة الصحفيين .. وتم اختياره والكاتب الكبير مصطفى أمين كممثلين للصحفيين الشبان .. تولى حافظ محمود منصب وكيل النقابة لمدة ٢١ دورة متتالية .. وسكرتير النقابة لمدة ١٣ دورة .. ثم نقيبا للصحفيين لمدى ٤ دورات ( ١٩٦٤ _ ١٩٦٧ ) .. وهو يحمل البطاقة الصحفية للنقابة رقم ( ١ ) .. كأول عضو يسجل فى تاريخ النقابة .. وفى عام ١٩٤٨ استولت القوات الانجليزية على أرض النقابة .. ولجأ حافظ محمود الى جميع المسئولين دون فائدة حتى قام بإرسال خطابا عاجلا الى ملك بريطانيا ورئيس وزراءها .. وكانت المفاجأة استجابة بريطانيا لطلبه .. رحم الله الكاتب الصحفى الكبير استاذنا حافظ محمود .. الذى أنهى حياته كاتبا عملاقا بجريدة الجمهورية ونقابيا فريدا .. وهب حياته لصاحبة الجلالة .