رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

يبدو أن تداعيات الحرب في أوكرانيا ستظل لفترة طويلة محل بحث ودراسة نظرا لحجم المتغيرات غير المسبوقة التي تتجلى مرحليا على خريطة العالم السياسية.
فلا حدود لرصد مضاعفات هذا الصراع الذى تزداد حرارته يوما بعد يوما، فمن أزمة غذاء عالمية إلى مشكلة حادة في الطاقة وصولا إلى ما يعرف انهيار سلاسل الامداد، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، ففي ظل التطور التكنولوجي المهول كشف الصراع في أوكرانيا عن معضلة أخرى تهدد مستقبل التقدم في العالم اجمع، وهى "اشباه المواصلات" واذا كانت ازمة كورونا والاغلاق الذى شهده العالم وقتها قد اظهر تلك المعضلة ، فان حرب في أوكرانيا قد عمقتها بشكل كبير، وطبقا للتعريف العلمي لهذه الاشباه فهي عبارة عن رقائق الكترونية متطورة ومتنوعة تمثل القلب النابض لاي تكنولوجيا يستخدمها الانسان المعاصر بداية من الهواتف المحمولة وصولا الى الطائرات والاقمار الصناعية.. هذه الرقائق هي التي يدور حولها الآن أكبر وأخطر صراع يمكن أن يشهده العالم ، فالأطراف المتصاعة عليها-الرقائق الالكترونية- لا تضع حدا في تلك المواجهة بما في ذلك خيار شمشون النووي.
70‎%‎ من انتاج هذه الرقائق تستحوذ عليه كوريا الجنوبية وتايوان، لذلك لم يعد من المستغرب ونحن نشاهد اساطيل الولايات المتحدة الامريكية وهى تزيد من نشاطها في منطقة بحر الصين فلا يمر شهر الا وهناك مناورات عسكرية تجمعها مع سيول ، وعلى الجانب الاخر نجد محاولات أصبحت شبه رسمية من واشنطن لتقديم الدعم السياسي والعسكرى لتايوان، ووصل الأمر الى أن الإدارة الأمريكية رصدت ميزانية مفتوحة لنقل المصانع المتخصصة في الرقائق الالكترونية واشباه المواصلات الى منطقة وادى السيليكون لديها إدراكا منها أن من يسيطر على هذا الكنز يملك العالم مستقبلا.
الصين هي الأخرى تدرك السبب الحقيقي للموقف الأمريكي في كوريا الجنوبية وتايوان ، فالامر لا علاقة له بالحريات والديمقراطية، وبكين تدرك انها لا تملك رفاهية خسارة تلك المعركة باعتبار ان لا مستقبل للخاسر.
في الحقيقة الأمور تبدو اعقد مما هو ظاهر،
فروسيا على سبيل المثال تعاني حالياً من النقص في الحصول على أشباه الموصلات لإنتاج الصواريخ وحتى من أجل الطائرات المدنية، والصين تتعرض لنوع من الحصار الأميركي للحد من قدرتها على استيراد الرقاقات، والكونجرس الأميركي يدرس مشروع قانون يخصص 70 مليار دولار لتنشيط صناعة الرقاقات في أميركا إلى جانب شراكاتها مع كوريا الجنوبية وتايوان، بحيث تنتج 30 في المئة من الإنتاج العالمي.
أما الصين فإنها خصصت بالفعل 100 مليار دولار للتقدم في إنتاج الرقاقات خشية حرمانها من شرائها، وإذا كان مجلس الشيوخ الأميركي كشف في تقرير له أن "انقطاع الرقاقات عن السوق الأميركية لمدة عام يؤدي إلى خسارة الناتج القومي 3.2 في المئة وملايين فرص العمل، فإن تأثير الانقطاع في السوق الصينية أكبر وأخطر بكثير، ذلك أن سوق الرقاقات بلغة المال وحدها تساوي نحو 600 مليار دولار سنوياً، وهي بلغة الحسابات التكنولوجية والصراعات الجيوسياسية أهم من سوق الأسلحة والتحالفات، فالعالم حاليا يمر بمنعطف خطير ، والخبراء المحللون يرون أن الرقاقات الإلكترونية ستحدد المعالم الجيوسياسية للعقود المقبلة تماما كما رسم النفط في السابق المعالم الجيوسياسية لعقود طويلة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة