لوجه الله:
موائد الطعام من المظاهر الرمضانية التى تنتشر فى مصر عبر العصور لنشر البهجة والمودة والرحمة بين الأصدقاء والجيران، ولتوفير طعام الافطار لغير القادرين ولعابرى الطريق الذين تحول ظروفهم دون الوصول الى منازلهم خلال وقت الافطار.. وكلما كانت هذه الموائد خالصة لوجه الله، وبعيدة عن الرياء تحقق أهدافها الإنسانية والاجتماعية، وتسهم فى نشر فضيلة إطعام الطعام، وما أعظمها فضيلة تؤكد عظمة المصريين ورغبتهم فى العطاء الخيرى بكل أشكاله وخاصة إطعام الطعام وتعميق مشاعر المودة بين الجميع.
وإفطار الصائمين من أفضل أعمال الخير التى حث عليها الإسلام سواء أكانت تستهدف توفير الطعام للفقراء، أو تحقيق المودة بين زملاء العمل أو غيرهم، وهى تدخل في باب الصدقات إذا كانت تستهدف توفير الطعام لمن يحتاجونه، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن أسرع صدقة إلى السماء أن يصنع الرجل طعاما طيبا ثم يدعو عليه ناسا من إخوانه"، كما أنها تدخل في باب إطعام الطعام من باب المودة وهو باب خير عظيم لقوله عليه الصلاة والسلام: "خيركم من أطعم الطعام"، وقد سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما الأيمان؟ وفى رواية ما الإسلام؟ فقال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام".
وإذا كانت موائد الطعام تقام لإفطار الصائمين فهذا زيادة فضل وخير لهذا النوع من الصدقات، ورسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام يقول: "من فطَّر صائما كان كمن أعتق رقبة، ومغفرة لذنوبه"، كما أن اجتماع الناس على طعام واحد مندوب شرعا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الطعام ما كثرت عليه الأيدى".
****
فى حوار رمضانى مع شيخ الأزهر الراحل الشيخ جاد الحق على جاد الحق (رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله خيرا على علمه وإخلاصه وزهده) سألته عن موائد الرحمن التى يتسابق فيها المصريون فى كل محافظات مصر.. قال: هذه الموائد تؤكد نقاء الشعب المصرى ورغبته فى عمل الخير والعمل بتوجيهات الرسول- صلى الله عليه وسلم ووصاياه.. لذلك ينبغى الحرص عليها، والتمسك بها، والتوسع فيها، بشرط أن تكون خالية من التفاخر والرياء، ويكون تمويلها من مال طيب مكتسب بطريق حلال لقول الرسول في قاعدة عامة في الصدقات: "إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبا" وخص إفطار الصائمين بأن يكون من مال حلال كما جاء في قوله صلى اللَّه عليه وسلم: "من فطَّر صائما على طعام أو شراب من حلال في شهر رمضان صلت عليه الملائكة في ساعات رمضان"، أما من أقام هذه الموائد من مال حرام، فليست بصدقة ولا يؤجر عليها لقول الرسول الكريم: "لا يكسب العبد مالا من حرام فيتصدق به فيؤجر عليه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه".
لذلك يحث العلماء الشرع كل القائمين على موائد الطعام فى رمضان أن ينفقوا على هذه الموائد من أموال الصدقات وليس من أموال الزكاة إذا كان يأكل منها الغنى والفقير.. كما يحثوهم على جودة ما يقدم فيها من طعام، وأن تكون من أصناف طيبة يقبل مقيم المائدة أن يأكل منها استجابة لقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غنى حميد".
ولذلك من الأفضل أن يشارك مقيم المائدة الصائمين فيفطر معهم وذلك حتى تحقق هذه الموائد الهدف منها بنوال ثواب اللَّه عز وجل وبركته، وتحقيق التماسك الاجتماعى باعتباره نتيجه للتكافل الانسانى بين أفراد وفئات المجتمع خاصة في ظل حالات الاغتراب التى تسود مجتمع المدينة المعاصرة.
****
ما أحوجنا اليوم فى ظل موجات الغلاء التى صعبت سبل الحياة على الفقراء ومحدودى الدخل الى انتشار موائد الطعام بعد رمضان وتجسيد فضائل التعاون والتكافل والبر والإحسان بين الأغنياء وأصحاب الحاجات.. ولا شك أن موائد الطعام الجماعية تسهم فى تحقيق هذه الأهداف الإنسانية والإجتماعية.. وإذا كانت موائد الطعام تستهدف الفقراء فهى عمل طيب، ومطلوب الحرص عليه طوال شهور السنة، لأن كفالة الأغنياء للفقراء واجبة فى كل وقت وفى كل مكان.. وإذا كانت هذه الموائد تستهدف زملاء العمل والأصدقاء والأهل والأقارب، فهى وسيلة لتعميق مشاعر المودة والمحبة وصلة الرحم، وكل هذه مشاعر مطلوب نشرها بين افراد المجتمع.
ومن الآداب التى ينبغى أن يتحلى القائمون على موائد اطعام الفقراء وطالبى الطعام (حسن الخلق فى التعامل مع طالب الطعام)، وأن يقدم له الطعام دون مَنٍ أو أذى، فالمن والأذى يهدران الأجر والثواب، يقول الحق سبحانه:" يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر".
أيضا لا ينبغى أن نتباهى بهذه الموائد ونشغل أنفسنا بالحديث عنها لأنها من عطاء الله، كما ينبغى ألا ينتظر صاحب المائدة الشكر من الآكلين منها، فلا يكون الكريم كريما حتى تجود نفسه ابتغاء مرضاة الله وحده، وأن تجود النفس بالعطاء عن رضا وعن حب فمن منع عن المحتاج ما هو فى حاجة إليه فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
****
لقد تحدثت وسائل الاعلام المصرية والعالمية خلال الأيام الماضية عن أكبر موائد الطعام الرمضانية فى الأحياء المصرية والتى انطلقت من حى المطرية الشعبى الشهير وانتقلت منه الى مدينة الشيخ زايد ثم الى حى المعادى ليجتمع الآلاف من المواطنين لتناول طعام الافطار معا فى الشارع ويتعرفوا على بعضهم وتتحقق الألفة بينهم.. ووسط الحفاوة بهذه المظاهر لا ينبغى أن ننسى مائدة الرحمن الكبرى التى يقيمها الأزهر يوميا داخل صحن الجامع الأزهر ليتناول أكثر من أربعة ألاف من أبناء العالم الإسلامى الدارسين بالأزهر مع عدد كبير من المصريين طعام الإفطار فى مشهد مهيب لم يشهده الأزهر من قبل.. فضلا عن موائد إفطار جماعى بالمدن الجامعية لطلاب الأزهر يوميا.. وهو جهد يستوجب توجيه التحية للأزهر وقياداته وفى مقدمتهم الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب الذى رفع كثيرا من أسهم الأزهر وضاعف من عطائه العلمى والحضارى والخيرى.