رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

يظل الفن القيمي المبدع مرآة صادقة لما يموج بالمجتمع من مشكلات وطموحات ، راصدا ومعالجا أفراحه وأتراحه وهمومه وأوجاعه بحرفية ،وموضوعية ومصداقية بلا تهويل أو تهوين!.

وقد صنعت الدراما المصرية بكافة روافدها تاريخا عريقا من التميز والإبداع ،ربما يقترب من المائة عام، رغم بساطة التقنيات وآليات الإخراج والتشخيص والتصوير وكافة عناصر البناء الدرامي،فاستحقت وصف زمن الفن الجميل.

كما تواكب هذا التميز المبكر مع انطلاق البدايات الأولي للإذاعة المصرية والشاشة الصغيرة ، ودور العرض السينمائي ومسارح كبار وعمالقة الفن المصري،وحتي كتابة هذه السطور ما يزال كثيرون يعقدون مقارنات بين دراما اليوم والأمس تصب بطبيعة الحال في صالح دراما الزمن الجميل،نصا وهدفها وأداء وإخراجا!..

وقبل سنوات تفنن صناع دراما رمضان في انتقاء أفضل النصوص والأعمال والبرامج لتقديم وجبة رمضانية درامية متكاملة تجمع بين المعلومة والمتعة ،مع الإلتزام بالقيم المجتمعية والدينية وسائر مبادئ الفطرة الإنسانية السوية.

وأتصور أن هذا المجد الإبداعي جاء حصادا طبيعيا لمسارين أساسين ،الأول التنوع في الأعمال الدرامية بين إجتماعية وتاريخية ودينية وكوميدية ومسلسلات خاصة للأطفال تهتم بالتربية وتقويم السلوك ،وتقديم النماذج الإيجابية والمبدعة.
والأمر الثاني هو التعبير الصادق عن قيم المجتمع الأصيلة وعاداته وتقاليده النبيلة ،واحترام السمات الفريدة للغالبية العظمى من الشعب المصري الأصيل.
كما حرصت الكثير من الأعمال علي معالجة قضايا التمرد على القيم الأخلاقية والدينية والجنوح والشواذ والعنف وأصحاب السلوكيات المنحرفة باعتبارهم حالات فردية وقلة يلفظها المجتمع !.

وخلال السنوات الأخيرة ومع وفاة كبار الكتاب والأدباء والعديد من المخرجين،ابتليت الدراما المصرية بآفات وأمراض انحرفت بها عن مسار التفوق والتميز إلي دوامة التراجع والابتذال!.

وباستثناء الأعمال الدرامية الوطنية،تدريجيا انقلب الحال رأسا علي عقب ، فمعظم دراما الأعمال الرمضانية خلال الآونة الأخيرة اسبغت انطباعا سلبيا وتحولا ممجوجا ومريبا ،وكأن المجتمع المصري أصبح مجموعة من الانتهازيين والنفعيين واللصوص والبلطجية والمتمردين علي قوانين الأسرة وعلي كل القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية.

ولعل النموذج الأسوء لهذه العام كان مسلسل "الهرشة السابعة" الذي انتهت حلقاته مؤخرا، حيث تصدرمشهد المساكنة "البواب هيقول إيه؟" "تيرند" السخرية والاستهجان،وكأننا في مجتمع متحرر تماما من القيم الأخلاقية والدينية!.
المسلسل يرصد بعض القضايا الشائكة وحالات الملل الزوجي،بعد سنوات من الزواج ، بينما سخر أهل المحروسة من فكرة المعايشة والمساكنه بلا زواج، الذي جمع بين أسماء جلال وصديقها على قاسم، حيث عرض شريف، على حبيبته سلمي، الإقامة سويا في منزل واحد وقال لها: "يلا نعيش مع بعض في بيت واحد ونشوف النظام لو ارتاحنا نتجوز"، إلا أنها رفضت ذلك قائلة، "مينفعش هنا عمارة واحدة وجيران طالعة ونازلة وبواب"!!

اعتقد أن تجسيد هذا التحرر المهين للمرأة والرجل علي حد سواء وإعلان الثورة بكل تبجح علي العلاقات السوية والتمرد علي مفهوم الأسرة وتعمد تشويه العلاقات الزوجية وتصوير الحياة بين الرجل والمرأة وكأنها ساحة معركة حربية ،لا واحة للسكينة والمودة والتراحم ،وعلي النقيض تجسيد حياة التحرر والعلاقات الشاذة وكأنها الحياة العصرية المثالية،هو نوع من خلط المفاهيم المغلوطة وخلط الأوراق بصورة مقصودة ومغرضة ،وغرس مفاهيم تغربيية أذرعها هذه الدراما اللاقيمية
الخبيثة!.

أتصور أن مجتمعنا بكل ما يموج به من إشكاليات وتطلعات في أمس الحاجة للفن القيمي باعتباره أحد روافد التعبير والقوي الناعمة للتواصل والتربية والاقناع ،بهدف تسليط الضوء علي قضايا مجتمعية مزمنة أو مستجدة بغية التوصل إلى حلول،ومقترحات ،
وبصائر تنير الطريق لكل سائر.

وكما نجحت الدراما الوطنية خلال العامين الماضيين في إعادة الفن لمساره الجميل ،يتطلع أبناء المحروسة لفن بنائي تنموي يسلط الضوء علي أوجه التطور في الجمهورية الجديدة
والإنجازات غير المسبوقة والمشروعات القومية العملاقة ،ويقدم النماذج الإيجابية والمبدعة من المبتكرين والعلماء والمبدعين ،وإنا لمنتظرون!!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة