طيب القول
كلنا نحفظ ونُردِّد الأُغنية الشهيرة، "رمضان فى مصر حاجة تانية"، لكن الحقيقة هى أن مصر فى رمضان "حاجة تانية" تماما، فى كل شئونها ومظاهر الحياة، والمعاملات، بل حتَّى معيشة أبنائها، ونَظْرة ضيوفها، وتعلُّق عُشَّاقِها بزيارتها فى هذا الوقت بالذّات، للاستمتاع بالحياة الرمضانية، المختلفة والمتفرِّدة، لأنها بالفعل حياة غير موجودة إلا في مصرنا الحبيبة!
فرغم الأزمة الاقتصادية العالمية، وشكوى الجميع من تداعياتها وتأثيراتها السيّئة التى أعجزت الغالبية، ووسط السَيْل الجارف من السلوكيات والظواهر غير الأخلاقية، والغريبة عن قيمنا الدينية وعاداتنا الاجتماعية المتوارَثة، تبرُز جماليات المعْدَن المصري الأصيل، فنجد سباقات الخير المتعدِّدة في مختلف أنحاء المحروسة، وكلُّ أصحابِها يتنافسون على إسعاد الآخرين، طَمَعًا فى كَسْب رضا الله والتقرُّب إليه، بخدمة عباده، فى هذا الشهر الكريم، فضلاً عن التزام القُرْب من الله بالطَّاعات والعبادات، وامتثال الطيِّب من القول والعمل، واجتناب السيِّئ، والانشغال بإصلاح النَفْس وتهذيِبها.
وقد رأينا كيف امتلأت شوارع المحروسة بموائد الرحمن، وقوافل الخير التى تنشُر البسمَة والفرحة والسرور على وجوه الجميع- المُتبرِّع قبل المُتَلَقِّى- فالوجوه اكتَسَت بالفرحة، ليس لما تمّ توزيعه من مساعدات، بقَدْر الفرحة من قيم التعاون والرحمة التى كادَت أن تنْدَثر تحت وطأة التكالُب على مَلَذَّات الحياة الدُنيا.
هذه الروح التعاونية التراحمية، هى "مصرية" خالصة بامتياز، لا توجد فى أى مكان آخر بالعالم، ما يجعل "مصر فى رمضان" تدخل "موسوعة جينيس" لتفرُّدِها، وأنها بالفعل تصبح "حاجة تانية" غير وضعها بقية شهور العام، بل دون غيرها من دول العالم أجمع.
فإذا كان صحابَة سيّدنا رسول الله، تمَنَّوا أن تكون السَنَةُ كلّها رمضان، لما فيه من الخير العميم، والقُرب من الله، ومضاعفة الحسنات، وتصفيد الشياطين، فإننا فى مصر، نضيف على هذا التمنّى، أن تستمر مصرُنا الغالية على هذا النمط من الحياة الرمضانية، التى تجعل من مصرِنا "حاجة تانية خالص" غير التى نعرفها بقية شهور السنة.
وهى- مصر فى رمضان- التى ندعوا اللهَ أن يُدِيْمَها علينا كإحدى نِعَمِهِ الوفيرة، وأن يحفظ مصرنا بشعبِها وأهلِها الطيّبين، كما وَعَدَ فى كتابه الكريم: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ" (يوسف: 99)، ولاشك أن الأمن والأمان هى قمَّة النِعَمِ وأَجَلَّها.
ومع دخولنا فى الثُلُثِ الأخير من هذا الشهر المبارك، والذى يفرِض علينا مزيداً من الجِدِّ والاجتهاد في الطاعة والعبادة والتقرُّب إلى الله تعالى، والمُثابرة والمجاهَدة فى التصدّى لأهواء النفس وإغواء الشيطان، ندعوه سبحانه أن يوفّقنا جميعا لمصادَفة ونَيْل جائزته العُظمى، ألا وهي "ليلةُ القَدْر" التى هى خيرٌ من ألف شهر، لتكرُّمها بنزول القرآن الكريم، ولتَنَزُّلِ الملائكة والرّوح فيها حتى مطلَع الفجر.
ولنجعل من شُحْنَةِ الطاقة الإيمانيّة والإنسانيّة التى اكتسبناها فى رمضان، دافِعًا وحافِزا لنا، فى اقتحام المشكلات والتحدّيّات، وصولا إلى مصر التى ننشُدُها جميعا، ولـ"تحيا مصر" بتعاضُدِنا وتعاطُفِنا، فهذا هو مَثَلُ المؤمنين، الذين وصَفَهم سيِّدُ الخَلْقِ، صلى الله عليه وآله وسلم.