رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

من السلوكيات الخاطئة التى شاعت فى حياتنا المعاصرة والتى حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم " تفضيل تناول الطعام منفردا" ففى كثير من الأسر أصبح كل فرد من أفرادها يأخذ طعامه ويذهب به الى غرفته، ليأكل وهو منشغل فى متابعة مباراة فى كرة القدم، أو مسرحية أو فيلم، أو منشغل بهاتفه دون أن يدرك بركة الاجتماع على الطعام والتى نبهنا إليها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.. فقد جاء فى الحديث الصحيح أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم شكوا له من عدم البركة فى الطعام وقالوا له: إنا نأكل ولا نشبع، فقال لهم:" لعلكم تفترقون؟" أى يأكل كل واحد منكم منفردا.. قالوا: نعم، فرد عليهم صلوات الله وسلامه عليه قائلا: "فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه".. وفى رواية أخرى قال لهم:" كلوا جميعا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين"، ولذلك قال العلماء فى شرح هذا الحديث: "الاجتماع على الطعام من أسباب البركة".
والبركة التى يقصدها العلماء هنا لا تعنى زيادة الإشباع من الطعام أو تكثيره بقدر ما تعنى أن تعود على الجالسين على موائد الطعام فوائد ومكاسب نفسية واجتماعية وأخلاقية، فعلى موائد الطعام يحاول كل شخص أن يضبط سلوكه، ويتخلى عن السلوكيات المرفوضة أمام الآخرين، فيحمى جسده من كثرة الطعام، وما تجره التخمة من مصائب ومشكلات صحية، ويحسن من صورته فى عيون الجالسين معه، لأن السلوك الأخلاقى للإنسان لا يظهر إلا على موائد الطعام.

أيضا هناك مكسب آخر من الاجتماع على موائد الطعام وهو الألفة التى تتحقق بين الجالسين، فموائد الطعام التى يتحلى فيها الجميع بالآداب والأخلاقيات الراقية التى حث عليها الدين تجمع ولا تفرق، وتنشر الألفة والمودة بين الجميع، وهذا ما يهدف إليه الرسول من الحث على الاجتماع على الطعام.. فقد كان- صلوات الله وسلامه عليه- يستغل كل الفرص المتاحة ويحضُّ أصحابه وأتباعه على الاجتماع وعدم الفرقة، ويستغل مناسبات مختلفة لتحقيق الوحدة والترابط فيما بينهم؛ ومن تلك الوسائل التي حث عليها وأمر بها: الاجتماع على الطعام وتسمية الله قبل البدء فيه حيث يحققان البركة كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وليست البركة في الطعام وأثره في الجسد فقط؛ وإنما البركة كذلك في تحسين العلاقات الاجتماعية، سواء أكانت علاقات أُسرية أو أخوية ونحوهما، نتيجة تقابل الجميع على الطعام، وما يترتب عليه من تبسط أثناء الأكل وإكرام للضيف ونحو ذلك.
**
لذلك كان من أهم مكاسب رمضان اجتماع أهل البيت على الطعام فى الإفطار والسحور، واجتماع الأسر على مائدة طعام واحدة غالبا لا يلتقون عليها إلا فى رمضان.. وأيضا اجتماع الأصدقاء وزملاء العمل على مائدة طعام واحدة.. وكل هذه اللقاءات يستفيد منها الجميع، ولذلك جاء الحث على الاكثار من موائد الطعام داخل البيوت وخارجها، وعلى هذه الموائد تكثر الحوارات قبل تناول الطعام أو بعده، وتتضاعف المودة والرحمة بين أفراد الأسرة، وبينها وبين الضيوف وبين الأصدقاء وزملاء العمل.. وهكذا يتضح لنا المكاسب النفسية والاجتماعية والأخلاقية التى تعود علينا من شهر الخير والبركة.
يقول العالم والداعية الراحل الشيخ محمد متولى الشعراوى- رحمه الله- "خيرات وبركات رمضان لا تحصى، ومن بينها الاجتماع على موائد الطعام، فعلى هذه الموائد يضبط السلوك، وتهذب الأخلاقيات المرتبطة بالطعام، ويتنافس الجالسون على المائدة فى التجمل والالتزام بآداب الطعام، ولذلك غالبا ما تجد عيون الجالسين على المائدة ترقب نظرات الآخرين، فكل واحد من الجالسين على مائدة الطعام يخشى أن يتصرف بعشوائية فيكون محل انتقاد من الآخرين.. وداخل الأسرة الواحدة يحدث هذا الأمر ويخشى الأبناء أن يتصرفوا بعشوائية فينالوا عتاب أو غضب الآباء والأمهات.. لذلك تجد من يتصرف بعشوائية على الطعام يفضل الطعام منفردا ليتصرف على هواه، ويفعل ما يريد، فيظل سلوكه عشوائيا حتى يلتقى على مائدة طعام فيكون محلا لسخط الآخرين".
وهكذا تكون الآداب الإسلامية على موائد الطعام وفى الحياة عموما كفيلة بضبط السلوك، وارتقاء الأخلاق، ولذلك على كل أسرة أن تحرص على الالتقاء على الطعام، وكثير من أطفالنا وشبابنا فى هذا العصر فى أمس الحاجة الآن الى آداب موائد الطعام لمواجهة ما نراه وما نسمع عنه من تجاوزات سلوكية لا تليق بإنسان ينتمى الى دين جاء بمنظومة آداب وأخلاقيات ترقى بسلوك الإنسان فى كل شؤون حياته.. علينا أن نكون على ثقة من رقى وتحضر ما علمنا إياه رسولنا الكريم من آداب راقية على موائد الطعام، وعلينا أن نحرص عليها حتى نستفيد من الطعام والشراب من ناحية، ونظهر أمام الآخرين ونحن نتناول طعامنا وشرابنا فى صورة حضارية مرغوبة تليق بنا.
**
على موائد الطعام هناك العديد من الآداب الإسلامية التى عددها علماء السلوك وينبغي أن نلتزم بها ونحرص عليها.. ومن أبرزها:
- اتباع كل الوسائل واستخدام كل أدوات الطعام حتى لا ننفر الجالسين معنا ومن حولنا من الطعام.
- عدم العيب على الطعام، فإذا قدم للإنسان طعاما وتذوقه أكله، وإذا ما عافته نفسه انصرف عنه دون جرح لمشاعر من قدموه له، أو تنفير لمن يأكلون معه.. هكذا كان يفعل رسولنا صلى الله عليه وسلم، فقد كان لا يذم طعاما قدم إليه، فإن أعجبه أكل وإلا أمسك.
- لا يجوز لإنسان أن يتطفل على مائدة طعام، ومن الأدب الإسلامي ألا يجلس لتناول طعام خارج بيته إلا إذا دعي إليه بشكل كريم.
ما أحوجنا جميعا إلى التأدب بهذه الآداب وتطبيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الاجتماع على الطعام والاستفادة من بركات هذا التلاقى المحمود والحرص على الآداب الاسلامية حتى نجسد قيم التحضر والرقي فى ديننا.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة