رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

خلال زياراتى لايطاليا .. كنت أتوقف أمام اربع مسلات مصرية تزين قلب روما .. واتساءل فى نفسى .. كيف جاءت هذه المسلات الى هنا .. وهو نفس التساؤل الذى قفز الى ذهنى وانا أقف فى ميدان الكونكورد فى العاصمة الفرنسية باريس .. وامامى المسلة المصرية التى تزين قلب باريس ايضا .. جاءت الإجابة على لسان الكاتب الفرنسى روبير سوليه .. فى كتابه الرائع : مصر ولع فرنسى .. ترجمة : لطيفة فرج .. يقول : ان أوروبا منذ القرن السادس عشر .. تملكها شغف بالحضارة المصرية القديمة .. فقد ظهرت تماثيل ابو الهول المنقولة من مصر .. لتزين المداخل والحدائق بل وحتى المقابر .. شهدت ايطاليا أوسع انتشار لهذا الشغف .. حيث يوجد العديد من التماثيل التى تزين الكابيتول ( مقر الحكم ) فى روما وفى مواقع أخرى مثل فيلا ميديسيس ( قصر فارينيز ) .. يؤكد الكاتب الفرنسى روبير سوليه .. ان الهوس بمصر .. انتشر فى ايطاليا منذ حوالى خمسة عشر قرنا .. حينما استولت الإمبراطورية الرومانية على مصر .. ونقلت كل هذه التماثيل والمسلات لروما .. اما حكاية المسلة المصرية في ميدان الكونكورد .. فكانت هدية من الوالى محمد على باشا .. الى ملك فرنسا شارل العاشر .. كانت المشكلة الأساسية .. كيف يمكن نقل كتلة تزن ٢٣٠ طن من الاقصر الى باريس ؟ .. وهنا عاد الى الذاكرة ما فعله الرومان فى القرن الرابع .. عندما نقلوا مسلة مماثلة من معبد الكرنك .. عبر البحر المتوسط الى روما .. ووضعوها بميدان القديس بطرس باقدس ميادينهم ( الفاتيكان ) .. واصدر ملك فرنسا قرارا بتشكيل لجنة تتولى عملية نقل المسلة .. واقترح شامبليون احد اعضاء اللجنة انشاء عوامة خاصة ذات قاع مستو تحمل المسلة من النيل الى البحر الأبيض وحتى نهر السين فى باريس .. وأطلق عليها اسم الاقصر .. وكان على ظهرها ١٥٠ شخصا من نجارين وحدادين ونحاتى حجر وميكانيكية .. وامضت هذه السفينة عام كامل فى الاقصر .. ومنها الى باريس ووصلتها يوم ٢٣ ديسمبر ١٨٣٣ .. مستغرقة ٣٢ شهرا .. وهنا توقف التاريخ .. لتشهد باريس عاصمة النور .. ما صنعته حضارة قديمة من اجل صياغة التاريخ .. فى ظل انعدام مطبعة تسجل هذه العظمة لمصرنا .. اما قصة وضع المسلة فى ميدان الكونكورد .. أعظم واكبر ميادين فرنسا .. فهى حكاية تعكس مدى عظمة مصر .. وحضارتها التى ابهرت الدنيا كلها .. لم تكن فرنسا او ايطاليا فقط .. إنما العالم كله انبهر بمصر .. وها هو الموسيقار العالمى النمساوى موزار يضع أوبرا بعنوان اسرار ايزيس .. عرضت فى باريس يوم ٢٠ اغسطس ١٨٠١ .. بملابس فرعونية .. وقد أمضى عالم المصريات ميريت ستة أشهر فى صعيد مصر .. ليقدم لنا سيناريو أوبرا عايدة .. ووقع ميريت العقد مع فيردى نيابة عن الخديو إسماعيل .. بعد افتتاح القناة بثمانية اشهر اى فى يوم ٢١ يوليو ١٨٧٠ .. لوضع موسيقى عايدة .. واشترط الملحن الإيطالي العالمى فيردى الحصول على مبلغ ١٥٠ الف فرنك تدفع له بالذهب .. وذلك فى عام ١٧٨٠ .. وبما اننا فى رمضان .. فما اجمل من الغوص فى أعماق التاريخ .. ودائما يقفز امامى اسم ماسبيرو .. وما حقيقة هذا الاسم .. انه جاستون ماسبيرو .. عالم مصريات فرنسى .. يقوم بالتدريس فى كلية فرنسا للآثار بباريس .. قام بدراسة المصريات .. وقام بالترجمة من الهيروغليفية الى الفرنسيةوالعربية .. مما اثار إعجاب مارييت الذى كان يشغل منصب مدير الآثار المصرية .. وشغل ماسبيرو كرسى علم المصريات بالكلية الفرنسية عام ١٨٨٢ .. وصل ماسبيرو لمصر يوم ٥ يناير ١٨٨١ .. ليصبح مديرا لمصلحة الآثار المصرية .. وأمين لمتحف بولاق .. ومديرا لأول مدرسة فرنسية للآثار فى القاهرة .. وأزال ماسبيرو الرمال عن ابو الهول .. مستعينا بتبرعات دولية .. وقام بإعادة تنظيم متحف بولاق .. ونشر عدة دراسات عن مصر القديمة .. كما اكتشف قبرا طوله مائة متر يحتوي على كنوز لتوابيت وجثث للفراعنة فى الاقصر .. وفى عهده .. نجح فى ان يكون كل صرح وكل الآثار ملكا للدولة المصرية .. وازدهرت مصلحة الآثار فى عهده .. وكان يقوم بالتفتيش خلال ثلاثة شهور كاملة كل عام .. على الآثار فى الاقصر .. ونجح ماسبيرو فى تدعيم اساس معبد فيلة الحجرية لمواجهة مياه خزان اسوان عام ١٨٩٨ .. الا ان الرسوم فقدت ألوانها .. وكانت اخر مهام ماسبيرو وضع قانون جديد فى عام ١٩١٢ لحماية الآثار من السرقة وايضا تنظيم التنقيب بإذن من الحكومة المصرية للبعثات العلمية فقط .. وإلغاء القرار الذى يمنح المكتشف نصف اكتشافه .. فقط يحصلون على القطع المتشابهة بمتحف القاهرة .. توفى ماسبيرو فى ٣٠ يونيو ١٩١٦ حزنا على وفاة ابنه جان .. وأنشأ حفيده فرانسوا بعد عشرة أعوام دار نشر ومكتبة تحمل اسمه .. فى باريس .. بينما أطلقت مصر اسمه على منطقة متحف بولاق ومقر مصلحة الآثار الذى قضى فيها معظم سنين عمره .. وتخليدا وتكريما لذكراه .. ليصبح اسم ماسبيرو .. على اعرق واعظم مبنى تليفزيونى واذاعى فى الشرق الأوسط .. عظيمة يا مصر

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة