يبدو أن سحر الكنافة لا يتوقف عند مسألة المذاق فقط بل تمتد الغواية إلى الابداع الفني والتعبير الادبي كتابة وتأليفا..ويدخل الداخلون إلى عالم الكنافة من أبواب متفرقة ما بين التأريخ العلمي ورصد الأحوال الاجتماعية والاقتصادية وغيرها والإنتاج الادبي من باب اللطائف والطرائف أو السخرية عندما تضيق ذات اليد ..
وقد وقع في فخ غواية الكنافة علماء كبار وفقهاء ومفسرون وشعراء مشهورين وحتى مفسري الاحلام على مدار التاريخ منذ عرف الناس الكنافة وتناقلوا اخبارها من أروقة ومجالس الحكام والسلاطين والخلفاء والأمراء بداية من كنافة معاوية وقطايف سليمان في العصر الاموي وحتى العصر الحديث..فقد قيل كان معاوية ابن أبي سفيان أول من أكل الكنافة أيام ولايته على الشام وتحديداً في وجبة السحور لتسد جوعه خلال نهار رمضان وسميت بـ(كنافة معاوية) وذكر أن الخليفة كان يشعر بجوع شديد فى نهار رمضان فشكا الأمر إلى طبيبه «محمد بن آتال» فوصف له الكنافة لتُجنِّبه هذا الشعور فواظب الخليفة على تناولها وقت السحور.
وتلا ذلك طبق القطايف الأول الذي أعد لسليمان بن عبدالملك في فترة توليه الخلافة.
ومن أشهر ما وضع تأليفا في عالم الكنافة ما خطه الامام العلاّمة والأديب الفقيه جلال الدّين السّيوطي الملقب بـ«ابن الكتب» (القاهرة 849 هـ/ 1445 م - 922 هـ/ 1505م) وجعل لها عنوانا فريدا لطيفا "منهل اللطائف.. في الكنافة والقطايف"..والسيوطي بفكرة الرائق وحسن إختياره لأشعاره أجاد في هذه الرسالة وأبدع.جمع كل ما قيل عن الكنافة والقطائف وضع فيها ما قيل فيهما من نثر وشعر.. كرسالة مهمة ضمنها أبياتا شعرية في تجربة مختلفة لا تخلو من ظرف وتفكّه حيث جاء في القرن العاشر الهجري إثر شكوى رفعها المصريون منظومة شعراً إلى المحتسب جاء فيها:
لقد جاد بالبركات فضل زماننا /بأنــواع حلــوى نشــرها يتضـــــوّع
حكتها شفاه الغانيات حلاوة/
ألم ترنـي من طعمهـا لسـت أشــبع
فكم ستّ حسن مع أصابع زينب/
بهـا كــلّ ما تهــوى النفوس مجمّـع
وقد صرت في وصف القطائف/
هائماً تراني لأبواب الكنافة أقرع
ما قاضيا بالله محتسباً عسى/
ترخص لنا الحلوى نطيب ونرتع..
ما لفت نظري هذا الأسبوع ما كتبه أحد كبار الأستاذة في العلوم السياسية د.علي الدين هلال خصص مقاله الاسبوعي عن الكنافة والعنوان كنافة رمضان..والحقيقة أنه كتب بحب وشغف عميقين صال وجال وتتبع أمور الكنافة والابداعات الحديثة والاسماء المستحدثة والخلطات العجيبة واالمحسنات والمشتقات وما الى ذلك خاصة تلك الأنواع العابرة للطبقات..
حقيقة اقبلت بنهم على مقالة د.علي الا أنها جاءت منزوعة الدسم تماما وغابت اشباح السياسة مع أن الكنافة ولدت في دهاليز مجالس الحكام وكانت التحية المفضلة لدى البعض حتى أصبح لكل قصر كنافة ومذاقا!!
الصمود التاريخي للكنافة وتمددها اجتماعيا على مر الأيام أكسبها قوة ليس فقط مع الأجواء الروحية في رمضان تحديدا ولكن على مدار العام ..فبدأت تتسلل إلى الحياة الاجتماعية الخاصة وتسيطر على الأحلام وتتلاعب بالعواطف يقظة ومناما..
فمن الطرائف أن تحتل الكنافة بكل انواعها ركنا غير قصي في تفسير الاحلام وهناك اكثر من خمسين تفسيرا وتأويلا لرؤيا الكنافة في المنام نقلت عن ابن سيرين والنابلسي..من وجهة نظر ابن سيرين فان الرؤية تدل على قدوم الخير للرائي وعلى تمتعه بحياة هادئة تملؤها السعادة وأن له علاقات طيبة مع الأصدقاء والمعارف ولو رآها الشخص في منامه فهو على وشك تحقيق طموحاته التي ظل يسعى إليها لفترة طويلة..
ونظرا لأنها ارتبطت بشكل وثيق بشهر رمضان لذلك فمن يرى أنه يتناولها في هذا الشهر الكريم فرؤياه تدل على المزيد من الرزق والبركة في المال والولد. تشير الرؤيا أيضًا إلى الحياة المستقرة للمرأة المتزوجة في كنف زوجها ورعايته لها ولأطفالها ولو كانت فتاة عذراء فهي تعيش في راحة نفسية وطمأنينة وسط إخوتها وأبيها.
ويذهب بعض مفسري الاحلام الى اختلاف تأويلات رؤية الكنافة في منام الشخص حسب حالته الاجتماعية وتبعًا لحالة الكنافة ما إذا كانت محشوة أو سادة نيئة أم ناضجة أو غير ذلك من الهيئات التي قد تظهر عليها في المنام.
فإذا ظهرت بالحالة الجافة في منام الشخص فهي تعبر عن تعرضه لعقبات في حياته تؤثر سلبًا على نفسيته وقد يكون في الواقع يسعى لهدف ما ولكنه يفشل في الوصول إليه.ولو تناولها الشخص في منامه وكان مستمتعًا بها فهناك أنباء سارة في طريقها إليه.
أما الأطباق التي تمتلئ بها فهي إشارة على زوال الكرب فلو كان مريضًا تم شفائه ولو كان مقيدًا زالت عنه كافة القيود.
والمرأة التي ترى تلك الرؤيا هي في الواقع تتمتع بطباع محبوبة ممن حولها فهي بئر أسرار الجميع ومحل ائتمان على أموالهم وعلى حياتهم الشخصية والتي تساعدهم دائمًا في المرور بالأزمات والمشاكل التي تطرأ على حياتهم دون خسائر، فهي من الشخصيات التي تتسم بالحميمية والحب للجميع.
والرجل الذي يراها في منامه هي بمثابة بشرى له بتخطي الأزمات المالية والهموم التي عانى منها طويلًا. اما إعداد الكنافة فيشير إلى أنه في طريقه لإقامة مشروع ناجح جدًا في المستقبل وبفضل جهوده وتفانيه في العمل فسوف يرتفع شأنه ومكانته الاجتماعية بين الناس. ومن ذهب إلى الحلواني واشترى كمية منها فهو في الغالب سوف يتخلص من همومه والمتاعب التي يواجهها في حياته!!! طبعا هذا الكلام على مسئولية المفسرين ومن والاهم !!
في العصر الحديث قفزت الكنافة قفزة كبيرة واخترقت عوالم السياسة والاقتصاد والتحمت مع قوى الصراع الطبقي الاجتماعي..
اجتماعيا وفي ظل الظروف الضاغطة اقتصاديا تلعب حشوة الكنافة دورا مهما في تحديد نوع وطبقة وفئة اهل الكنافة ..والحشوات عالم غريب عجيب بعد ان وصلت أسعار المكسرات الى ارقام فلكية خيالية ولم يتوقف الامر عند هذا بل ظهرت كاسات الكنافة بانواع عجيبة من الفواكه والعصائر..الى جانب الكنافة بالجمبري وغيرها من حشوات يسيل لها اللعاب وتنقبض منها الجيوب قبل القلوب..
..سياسيا دخلت الكنافة على خط الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعلى محور حرب الغذاء ويتهمهم الفلسطينيون صراحة بسرقة التراث الثقافي الفلسطيني ونسبته الى الكيان وكانهم لم يكتفوا بسرقة الأرض وتشريد وتغريب أهلها.. فهاهم ينسبون الكنافة النابلسي الاصيلة الى اليهود كذبا وعدوانا كما فعلوا من قبل مع الفلافل والحمص وزيت الزيتون والمفتول (أطباق الكسكس الإسرائيلية) وغيرها من الأطباق وكثير من الأطعمة الشرقية المشهورة.. والتي تنشرها على نطاق واسع في صحف ومجلات عالمية وتنسبها للاطباق الإسرائيلية..
وفي اطار الازمة اللبنانية يتحدثون عن "كنافة ميقاتي" ويتناقلون ما قاله الرئيس نجيب ميقاتي في بكركي من" أنه لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يأكل الكنافة ويتركها في الوقت نفسه وعليه أن يختار".
وكتبت رولا حداد في رسائل الى ميقاتي :“قبل أن تصل إلى الحلوى والكنافة ستكون عليك مواجهتنا في كل صحن من صحون “المازة” الحكومية وعلى كل حقيبة واسم ولن ندعك تستمتع لا بكنافة “الحلاب” ولا بغيرها بل نتعهّد لك بأن تكون كل “لقمة” على طاولة التشكيل بغصّة”.!!
آخر صيحة..اعتبار الكنافة احد المؤشرات القوية على معرفة حقيقة العلاقة بين أمريكا وايران..والى اين تسير وذهب بعض الكتاب والمحللين ومنهم احمد الزعبي في مقال بالامارات اليوم تحت عنوان الكنافة على طبق سياسة الى القول بان المرء في قادم الأيام ليس بحاجة إلى متابعة نشرات الأخبار ولا مواقع التواصل الاجتماعي ولا المواقع الإلكترونية للصحف العالمية حتى تعرف أين وصلت العلاقات الأميركية الإيرانية.. كل ما عليك هو النظر على وجه صحن «الكنافة» لتقرأ عمق أو سطحية العلاقات الثنائية فإذا كان الفستق غزيراً ويكسو الوجه البرتقالي فاعلم أن العلاقات بين البلدين جيدة وتسير نحو التحسن والحل..وإذا كان الفستق شحيحاً نحيفاً ضعيفا بالكاد يزيّن أوسط الصحن فاعرف أن الأمور ليست على ما يرام..فالسياسة كلها بتعقيداتها ودهاليزها قد تشاهدها على صحن كنافة ولستَ بحاجة إلى قارئة الفنجان ولا إلى المنجمين السياسيين..«الحلواني» هو أعرف من كل هؤلاء.!
معتبرا ان تجارة الفستق العالمية تتعرض لاضطرابات بالغة بسبب توتر العلاقات بين أميركا وإيران اللتين تسيطران على أكثر من 80% من حصة السوق العالمية في هذه التجارة!!
&&يقول الشاعر الفَكِهُ أبو الحسين الجزار المصري:
سَقى اللهُ أكْنافَ الكنافةِ بالقَطْرِ /وجادَ عَلَيْها سُكَّرًا دائمَ الدّرِّ
وتَبًّا لأوْقاتِ المُخَلَّلِ إنَّها تَمُرُّ /بلا نَفْعٍ وتُحْسَبُ مِنْ عُمرِي
.. والله المستعان .. رمضان كريم ..