لوجه الله:
الصوم عبادة يجب أن نقبل عليها بكل بهجة وسعادة، وأن نؤديها طائعين قانعين بفوائدها ومنافعها العديدة، فالله سبحانه وتعالى لم يفرض علينا ما يضرنا بدنيا أو نفسيا أو يفسد علينا حياتنا، ولو أمعنا النظر في فرائض الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج؛ لوجدناها تحمل الخير الكثير للإنسان في دنياه وأخراه، ولكن كثير من الناس لا يعلمون، بل ويجادل بعضهم عن جهل وهو يتحدث عن عبادة لها منافعها العديدة للإنسان مثل عبادة الصوم.
لقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوم بأنه (سر بين العبد وربه)، ولذلك ينبغى أن يكون خاليا من الرياء فنحن نكف أنفسنا عما تشتهيه، بنية التقرب إلى الله تعالى راجين مبتهلين أن يجعل ذلك فى ميزان حسناتنا، يوم لا ينفع الإنسان مال ولا بنون، ولا يسعد فى هذا اليوم إلا من أتى الله بقلب سليم.
لذلك.. لا ينبغى أن يستثقل أحد منا الصوم، أو يعد الأيام المتبقية من شهر رمضان، لأن هذا السلوك فى حد ذاته يحرم الإنسان من الجزاء الأوفى لهذه الفريضة وهو (التقوى) وما أعظمها مكافأة إلهية للصائمين الطائعين.
فى رمضان يجب أن نتقرب الى الله بالدعاء الصادق، فقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصائم الملتزم بآداب الصيام وأخلاقياته بأنه مقبول الدعاء، فقال فى الحديث الصحيح: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم".
والصيام بآدابه وسننه يقوى البدن كما يقوى الروح، وقد أكد الأطباء وخبراء التغذية أن كثيرا مما يصيب الناس من أمراض إنما هو ناشئ من بطونهم التي يتخمونها بكل ما تشتهي من الطعام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلا، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسه".
وفي الصوم تربية على الصبر؛ فالصائم يجوع وأمامه أشهي أنواع الطعام، ويعطش وبين يديه كل المشروبات، ويعف نفسه وبجانبه زوجته، لا رقيب علي الصائم في صومه إلا خالقه، ولا سلطان عليه إلا ضميره، لذلك أكد علماء النفس المسلمين وغير المسلمين أن الصوم يربى الإنسان عل الصبر ويقوى عزيمته، ويساعده على أن يكون إنسانا قويا يواجه شهواته ونزواته ومظاهر ضعفه بكل قوة وصبر وإصرار.
والى جانب كل ذلك يشعرنا الصوم دائما بجوع الجائعين، وبؤس البائسين، ويذكرنا دائما بحاجة الإنسان الى الطعام والشراب، فنكون أكثر عطفا على الفقراء وأصحاب الحاجات، ونتسابق فى ميادين الإطعام لعل الله يحشرنا مع عباده الأبرار الذين "يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتميا وأسيرا" ويكون شعارنا قول الحق سبحانه:" إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا".
**
لكى نستفيد من عبادة الصوم استفادة حقيقية ينبغي أن تتجسد في سلوكياتنا قيم وأخلاق الإسلام، وأن تكون سلوكياتنا متناسقة مع الحكمة من صيام رمضان، فنبتعد عن الخصام والشقاق، وقطع صلة الأرحام، ونلزم أنفسنا الطريق المستقيم الذي ينتهي بنا إلى إرضاء الله عز وجل، ليكون الجزاء من الله تعالى قبول الصيام والحصول على ثوابه، وهنا يلزم المسلم أن يوجه سلوكه إلى فعل الخير والبعد عن الشر.. بمعنى أن تكون أقواله وأعماله كلها تتفق مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية من التسامح والتواضع وحب الخير لكل الناس وبذل الجهد والعطاء.
وبالنسبة لقبول الصوم من عدمه.. فالصيام لله وهو يجازي به.. فاستيفاء أركان الصيام يسقط المطالبة بقضاء الصوم ولكن ينقص بقدر ما يرتكب الإنسان من المعاصي.. وعلينا أن نتذكر فى كل لحظة من رمضان قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم ذنبه"، فالصيام جزاؤه عظيم، وثوابه جزيل، وللصيام آداب وأحكام يجب أن نلتزم بها لننال الأجر العظيم والفضل الكبير من الله عز وجل.. فمن صام رمضان معتقدا وموقنا أن صومه فرضه الله تعالى، فاجتهد في تأدية هذه الفريضة.. وحرص كل الحرص على سلامتها وتأديتها على الوجه الأكمل، فله جزاؤه عند الله تعالى، وعلامة ذلك ألا يستثقل الصوم ولا يرى أيامه طويلة وإنما تكون عبادة محببة إلى النفس طوال رمضان مهما تعرض الإنسان لمتاعب ومشاق، فالله عز وجل يغفر ما تقدم من ذنب كل صائم مخلص فى صومه صبور على مشاقه، محتسبا الأجر والثواب من الله.
**
ولا يجوز لصائم أن يهمل فى عمله وواجباته الوظيفية أو الاجتماعية أو الإنسانية بحجة الصوم، فالصوم ليس أداة فى يد الكسالى لتعطيل الأعمال والتهرب من المسئوليات وتعطيل مصالح الناس، خاصة عندما يؤدى الموظف عملا خدميا للجماهير.. كما لا ينبغى التحجج بالصلاة للتهرب من العمل كما يفعل البعض.. فالصوم من العبادات التي ينبغى أن تضاعف من فرص العمل والإنتاج، وليس كما يعتقد أو يتوهم البعض يقلل من الإنتاج،
الصوم يفترض فيه أنه يعمل على تصفية النفوس والتسامي بالأرواح، وهذا من شأنه أن يمد الفرد بطاقة روحية تجعله أقدر على الإنتاج والعمل أكثر مما لو لم يكن صائما، وهذه الطاقة الروحية قوة لا يستهان بها، وقد حارب المسلمون في غزوة بدر وهم صائمون وانتصروا، وحارب الجنود المصريون فى حرب اكتوبر وهم صائمون وانتصروا، ولم يقلل الصوم من نشاطهم، بل العكس هو الصحيح تماما.
لذلك.. لا يصح أن نتكاسل عن أعمالنا وواجباتنا بحجة الصوم، وعلى كل منا أن ينظم وقته فى رمضان نهارا وليلا لكى يؤدى ما هو مطلوب منه فى العمل والعبادة والواجبات الإنسانية.
أعانكم الله جميعا على طاعته وعلى كل أعمال الخير فى رمضان