احد اكبر واهم تداعيات الحرب الروسية -الأوكرانية، هو اسدال الستار علي عالم احادي القطبية وتدشين عالم جديد متعدد الأقطاب.. هكذا ولأول مرة نجد التنين الصيني وهو ينتقل من الحيادية الي التحرك الإيجابي في القضايا السياسية.. وقبل أيام كانت بكين هي الحاضن ومنبر اعلان الاتفاق التاريخي بين ايران والسعودية لانهاء التوتر وفتح صفحة جديدة من العلاقات المتأزمة منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، ولم تمض سوي ساعات قليلة حتي اعلن الرئيس الصيني عن زيارة لموسكو لاطلاق مبادرة لبدء التفاوض بين روسيا وأوكرانيا، لتسوية الصراع الدائر هناك وادى الى تراجع حاد في جميع اقتصاديات العالم.
بقدر ما شكل الاتفاق السعودي-الإيراني مفاجأة للجميع بما فيها الولايات المتحدة الامريكية التي ما كانت تتوقع مثل تلك الخطوة سريعا بقدر ما كانت الارتباك هو سيد الموقف بالنسبة للغرب في التعامل مع الديناميكية الصينية الجديدة وهو تقفز بخطوات متسارعة في قضايا كانت اقل ما توصف انها تاريخيا ضمن نطاق الهيمنة الامريكية، وكعادة دبلوماسية البيت الأبيض في تعاملهم مع المواقف غير المتوقعة فان ردود افعالهم تكون في الغالب انفعالية، ولم يجد صانع القرار الأمريكي للرد علي القفزة الصينية في قلب مناطق النفوذ الأمريكي- الخليج- سوي فتح صفحة الغواصات النووية الي استراليا..
هذه الصفقة المجمدة منذ ما يقرب عامين كانت في الأساس صفقة غواصات تعاقدت عليها شركات فرنسية لصالح الجيش الأسترالي، الا ان واشنطن قفزت علي حليفتها فرنسا واستولت علي الصفقة مباشرة، مما تسبب في ازمة حادة بين البيت الأبيض وقصر الاليزية. ومن بعدها وضعت الصفقة في الادراج ارضاءا لبكين أولا، وباريس ثانيا. لذلك اعادت واشنطن احياء الصفقة قبل أيام قليلة في رد سريع وعاجل لكبح جماح الدبوماسية الصينية الساعية الي احتلال دورها في الازمات الدولية.
علي مدي ما يزيد عن نصف قرن تعتمد بكين علي مبدأ الحياد الدولي، بل كانت تنآي بنفسها عن أي صراعات سواء خارجية او حتي تلك التي علي حدودها، حتي قضية استعادة جزيرة هونج كونج من السيادة البريطانية تمت في هدوء اكثر من اللازم، وفي السابق كان الدور الصيني ينحصر في الجانب الاقتصادي، وليس غريبا انها في اقل من ١٠ سنوات أصبحت من اقوي اقتصاديات العالم ، حتي في افريقيا التي كانت مرتعا للامريكيين والأوروبيين ، استفاقوا بعد ما فقدوا اكثر من نصف استثماراتهم في القارة السمراء لصالح الصينيين!.
تاريخيا لم تكن الصين بمثل تلك الديناميكية السياسية التي نراها اليوم، فهي دائما محصورة في دائرتها الاسيوية ،تعاني سابقا من الدب الروسي القابع فوقها وشرقا من اليابان عدوها التاريخي، فضلا عن خلافتها الحدودية مع الهند اوحربها في استعادة جزرها المسلوبة من التاج البريطاني، وبسط سيطرتها علي بحر الصين.
الامر المؤكد ان الصينيين قرروا الانخراط عالميا وان يصبحوا قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مهيمنة ولها دور في رسم خريطة العالم مستقبلا من خلال عالم متعدد الأقطاب الذي افرزته الحرب الروسية- الأوكرانية. والازمة الحقيقية التي ما زالت تؤرق الصينيين هي الطاقة، وبقدر ما يمتلكوه من تكنولوجيا فعالة ومصادر مياه ومواد أولية أساسية ويد عاملة مازالت رخيصة نسبيا، الا انها لا تمتلك فعليا المحرك الأساسي لتشغيل كل تلك المنظومة، فهي تقريبا تعتمد علي اكثر من ٧٠٪ من نفط الخليج وهذه النسبة تتأرجح صعودا وهبوطا بالتوازي مع حجم حصتها من النفط الروسي.. الذي بالتأكيد سيكون مرهونا بمسار العلاقات المتغيرة بين بكين وموسكو خاصة عندما ينتقلوا من مرحلة تطابق الموافق الحادث الان الي مرحلة التوافق وأيضا الخلاف مستقبلا عندما يستقر النظام متعدد الاقطاب، وهذا الامر يضعف الي حد كبير الدور الصيني المنتظر، ويجعله دائما عرضة لمن يملك اليد الطولي في منطقة المياه الدافئة (الخليج العربي)… وهذا هو السبب الذي جعلها تقود المصالحة بين اكبر قطبين واكبر منتجي نفط وغاز في الخليج -السعودية وايران- لضمان استمرار امدادات الغاز والنفط لها. وما تبقي مرهون بقدرة الصين علي مقاومة الموجة القادمة من أمريكا والغرب الهادفة الي حصرها مجددا داخل حدودها وكبح جماحها سياسيا مع الاكتفاء بدور اقتصادي فعال عالميا، لذلك سنري محاولات مستميتة للضغط علي بكين بداية من احياء صفقة الغواصات مع استراليا مرورا باشعال صراعات الحدودية مع الهند ومنح مساعدات عسكرية غير مسبوقة لتايوان انتهاءا بمحاولات واشنطن العسكرية في بحر الصين… فهل يصمد التنين الصيني امام منافسيه؟
بقلم د.حاتم صادق
استاذ بجامعة حلوان