أبيض وإسود
بفكرة سارتر عن مشروع الحياة : "إعمل على تخليق مشروعك الخاص في الحياة وواظب على العمل تجاه هذا الهدف المثالي من خلال أقصر المسالك وأكثرها مباشرة نحو هدفك. إتخذ قرارك بشأن الشخص الذي تريد أن تكونه وحينئذ ستكون أمام صيغة لصورة الشخص الذي تريد أن تكون عليه.
"جان بول سارتر" الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي الفرنسي العظيم كانت أفكاره ورؤيته للعالم تهز العالم من الغرب إلي الشرق في سبعينات وثمانيات القرن الماضي، وقبس من هذا النور أصاب روح شاب مصري، ليصير بعدها بسنوات من أهم علماء العالم في الطب البيطري والأمراض المعدية، وهو الدكتور أشرف الأنصاري الأستاذ الزائر بجامعة نورث كارولينا في الولايات المتحدة الأمريكية.
في ديسمبر الماضي عقدت السفيرة سها جندى، وزيرة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج، اجتماعا مع مجموعة العلماء المصريين بأمريكا وكندا، المشاركين في النسخة التاسعة والأربعين للمؤتمر الدولي السنوي لجمعية العلماء المصريين الأمريكيين، الذي أقيم بجامعة عين شمس، علي مدي ثلاثة أيام تحت رعاية الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وكانت هذه فرصة عظيمة لأقابل هذا العالم الجليل وأقترب من تجربته العلمية العريضة والفريدة والرائدة ما بين القاهرة ونورث كارولينا وما بين الماضي والمستقبل وما بين الأحلام والإبتكار والعلم.
قبل أن ألتقي الدكتور أشرف الأنصاري في أحد فنادق الزمالك التاريخية في يناير الماضي لنتحدث عن مشوار العمر والعلم، كنت أقرأ تصريحاته في إجتماع العلماء المصريين بأمريكا وكندا مع السفيرة سها الجندي، وزيرة الدولة للهجرة وشئون المصريين في الخارج، حيث بادر بالكلمة معربًا عن رغبته وكثير من الخبراء المصريين في العودة إلى مصر، للمساهمة في التجربة العلمية والاستثمارية التي تستهدفها الدولة في المرحلة الحالة، وقدم مقترحا بطرح إحدي شركات الدولة للاستثمار من جانب مجموعة مصريين لديهم خبرات في هذا المجال، لشرائها وإدارتها بشكل مستقل، بهدف جعلها نموذجًا يمكن الاقتداء به في عمليات إدارة الشركات التي تواجه تحديات للاستمرار في أداء عملها، كما دعا لإنشاء صندوق استثماري لصغار المستثمرين المصريين بالخارج حتي يتمكنوا من الاستثمار في السوق المصري.. المبادرة والإقتراح كانتا عشية تعويم الجنيه الأخير في يناير حيث تراجع بنسبة 30% أمام الدولار، وبحسبة براجماتية لا يمكن أن تكون المبادرة بالعودة لمصر والإقتراح بضخ الأموال في مشاريع بقلب أزمة اقتصادية سوي وفاء بدين أو تصريح أجوف من قبل المجاملة في ظرف صعب.. ولم يتركني الدكتور أشرف أحلق بعيدًا في التخمينات حيث بادرني قائلًا:" أنا وكل ما أملك لمصر.. أنا تعلمت ونشأت وتأسست في مصر وأدين لها بالولاء.. أخذت كل شئ بلا مقابل من الوطن.. ولا يمكن أن يكون بلدي في أزمة وأقف لأتفرج أو أتكلم فقط.. لابد أن أفعل شئ وأعطي أكثر مما أخذت".
أشرف الأنصاري قطعة ذهب مصرية خالصة.. سبيكة نقية من محاجر النوبة.. فكرة مدهشة من طلاسم المعابد .. امتداد لنباهة المصري القديم الذي علم العالم الزراعة والهندسة والفلك والبناء والفنون والكتابة.. واجهة لبلد أنهكته الأزمات لكنه لم يتوان لحظة عن تغذية العالم بالعقول والعلماء والفنانين والرياضيين العظام.. وبالنهاية نموذج للنبل والعرفان تجاه الوطن الذي أنجبه.. ولد لعائلة مصرية متوسطة في خمسينات القرن الماضي بقرية صغيرة تابعة لمركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، حيث كان والده يعمل مديرًا للزراعة، توفت والدته وهو في الثانية عشرة من عمره وتركته وأخوته الخمسة لكن هذا زاد من تماسك العائلة ووحدهم نحو البزوغ والتفوق، فتخرج في كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة عام 1973، ولم يفكر كثيرًا حيث طار إلي جامعة هانوفر بألمانيا بعد أن حصل علي منحة لدراسة الماجستير والدكتوراة، وخلال الأشهر التسعة الأولي في الغربة التي قضاها لدراسة اللغة الألمانية تمهيدًا للماجستير، شعر بعنصرية ضاربة في الجذور تجاه المصريين والعرب، ووجد البيئة غير مواتية لأحلامه في الإبتكار والعلم، ولن تتوائم مع أحلامه في المساواة والحرية، فذهب إلي الولايات المتحدة الأمريكية وبدأ الدراسات العليا في جامعة ميتشجان وهي من أكبر عشر جامعة بأمريكا، ورغم أن دراسته الخاصة بالماجستير كانت في موضوع علمي بحت وهو "مناعة الإنسان للديدان الشريطية"، إلا أن الأمم المتحدة استدعته لمهمة علمية وأرسلته لمدة عام لدراسة بعض أمراض المناطق الحارة في الموصل بشمال العراق، وأنجز دراسة موسعة عن مرض "الحويصلات المائية" المنتشر جدًا بين العراقيين وبين رعاة الغنم لمعرفة سر إنتشار هذا المرض بالعراق وسوريا وفي مصر وإن كان بحالات أقل.
وجاءت رسالته للدكتوراة، لتكشف عن عالم فريد ومبتكر من طراز خاص لفت له أنظار الجميع، وكانت دراسة في المرض التنفسي لدي الإنسان والحيوان وكانت التجربة والتحدي هي إختبار لمعرفة اصابة الإنسان بمرض المايكوبلازما من عدمه، وهو مرض منتشر في العالم مثل الأنفلونزا وهو أقل من الكورونا، وهذا كان في نهاية السبعينات، وكان المرض منتشر في بعض الأماكن بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان مصاب به الدواجن والديوك الرومي والأبقار والخنازير والإنسان وهو مرض مثل إنفلونزا الطيور يأتي للطيور أولًا ثم ينتقل منها إلي الخنازير وبعدها إلي الإنسان، وكانت الخطورة أنه انتقل من أمريكا إلي الصين وغيرها من الدول، وفي 1980 حصل علي الدكتوراة بعد ان نجح في عمل هذا التيست المعروف إلي اليوم في العالم باسم اليزا انزايم ان يونو اس ايه، وهو يعمل فحص ل96 عينة في 15 دقيقة وهو مسجل باسم الدكتور أشرف الأنصاري، وباسم جامعة ميتشجان في كل مراكز البحوث العلمية بالعالم. وبعد حصوله علي الدكتوراة عين بجامعة نورث كارولاينا كأستاذ وكان يدرس مادة الطب البيطري والأمراض المعدية وكان خلال تواجده بالجامعة المسئول عن ابتكار او تنظيم عملية مقاومة إنفلونزا الطيور التي كانت تسبب خسائر سنوية مقدارها 600 مليون دولار.
سرعان ما تحول الدكتور أشرف الأنصاري لأيقونة في الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص مقاومة الأمراض المعدية، كان الفخر يحدو كبار الساسة الأمريكيين بهذا العالم المصري، والذي كانوا يقدمونه لكبار رجال الدولة المصرية أثناء زيارتهم لأمريكا، وهذا ما حدث مع الدكتور عاطف عبيد، الذي كان يشغل وقتها وزير قطاع الأعمال قبل أن يصبح رئيسًا لوزراء مصر، ففي احدي زياراته لواشنطن تحدث أمامه بفخر سيناتور نورث كارولاينا عن الدكتور أشرف الأنصاري، فكلف الوزير التجاري المفوض أيمن عبد الغفار الذي أتصل بالدكتور الأنصاري وابلغه برغبة الوزير عاطف عبيد لمقابلته في واشنطن، فذهب للقائه في واشنطن فقال له: أننا نريدك في مصر، حيث أن البلد تحتاج لعقول العلماء، وكان هذا في عام 1988، فاقترح عليه الدكتور الأنصاري إنشاء شركة للقاحات والأمصال في مصر، ولم يكن موجود وقتها بمصر غير مصنع العباسية وهو قديم جدًا وما ينتجه من امصال ولقاحات قديمة لا تتماشي مع التكنولوجيا الحديثة للعصر القائمة علي الدي إن ايه والهندسة الوراثية، وجاء وقتها إلي مصر، لرد الجميع وغنشاء صرح يضيف للدولة المصرية ويغنيها عن استيراد الأمصال واللقاحات ويجعلها تواكب العالم في هذا المجال، وأقام في ثلاث سنوات وأنشأ مصنعًا وشركة في العاشر من رمضان، وللأسف الشديد البيروقراطية المصرية في وزرارتي الزراعة والصحة والشركاء دمروا الفكرة ولم يشتغل المصنع ولا افتتح، فعاد إلي الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1991، لتتلقفه الحكومة الفيدرالية الأمريكية للاستفادة من علمه وخبراته في وزارة الزراعة.
وخلال عمله بجامعة نورث كارولينا اخترع مطهرات جديدة يمكن استعمالها، بفعالية تمتد لأكثر من 48 ساعة ، وكانت المطهرات مطلوبة بشدة في المعامل وفي المنازل وفي حظائر الحيوانات والمستشفيات، وأسس بهذه المطهرات شركة عام 2002 في الولايات المتحدة، سرعان ما نجحت وحققت ملايين الدولارات وتوسعت في مجالات الأدوية ثم في التعمير وبناء المستشفيات ومعامل التحاليل والأشعات.
رحلة علمية طويلة للدكتور أشرف الأنصاري جعلته من أبرز علماء مصر بأمريكا والعالم.. درس عميق نقدمه لشباب مصر في الجد والمثابرة والبتكار والنجاح.. وتدريب عملي علي الكفاح داخل المعامل وفي الحياة.. بمقدار ما ترك بصمة في المجلات العلمية وبراءات الإختراع بمقدار ما جني من نجاح وثروة وشهرة.. وفي الوقت الذي ينفذ أكبر صرح طبي بمقربة من ديزني بالولايات المتحدة الأمريكية، بمقدار ما يصبو للعودة لمصر ومد يد العون له ومعه عدد كبير من العلماء، رغم تجربته السابقة مع الوزير عاطف عبيد، فهو من مدرسة الأمل، قناعته أنه لا شئ مستحيل، وأن الفشل يعقبه نجاح.
في علم الاقتصاد العالمي تراجعت أهمية رأس المال الطبيعي، من موارد مياه وذهب ونفط وفوسفات وغيرهـ وبرزت أهمية رأس المال البشري من علماء وخبراء وتعليم.. وما أحوج مصر الآن لرأسمالها البشري وهو وافر في كل دول العالم، هؤلاء هم الأولياء الذين يدينون بالدم والعرفان لهذا الوطن، وهؤلاء من يجب أن نستقطبهم وأفكارهم للخروج من عنق الزجاجة، والفرصة مواتية ولم تنفد بعد. وهذا دور وزارة الهجرة والحكومة أن تمد يد العون لهؤلاء للاستفادة من خبراتهم وأن تمهد الأرض لعودتهم وأن توفق القوانين لجلب استثماراتهم. فهذه قوة مصر الناعمة التي يجب أن لا نفرط فيها.