لوجه الله
لا يوجد شعب فى العالم يمكن أن ينافسنا فى عشق بناء المساكن أو شراء الوحدات السكنية وتسقيعها أو إغلاقها لعدم الحاجة اليها.. فنحن بالفعل أكثر شعوب العالم ولعا بالمساكن حتى ولو كنا لا نحتاج إليها، ولو كان أمامنا مجالات استثمار أفضل وأكثر ربحية منها.. كان الكثيرون فى العقود الماضية يبنون عمارات ويشترون وحدات سكنية فى كل المحافظات عندما كان الاستثمار فى العقارات مربحا وأكثر أمانا وربحية من مجالات الاستثمار الأخرى، وعندما كان لدينا أزمة مساكن.. لكن الآن ما الذى يدفعنا الى إضافة مساكن أخرى الى جانب المساكن المغلقة فى كل محافظات مصر وخاصة المدن الكبرى؟ّ!.
لدينا الآن وفقا لتقديرات الخبراء أكثر من 15 مليون وحدة سكنية مغلقة، وكانت وفقا لإحصاءات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء 12.5 مليون وحدة عام 1917 بنسبة تصل الى 30% من إجمالى عدد الوحدات السكنية فى مصر.
والواقع أن تسقيع الوحدات السكنية لكى تستخدم فى المستقبل البعيد أو يتم بيعها والتربح منها يجسد حالة نفسية تسيطر على كثير من الأسر التى لا تزال تعيش أسيرة الخوف من شح المساكن، أو ارتفاع اسعارها، حتى شهد سوق العقارات فى مصر كسادا واضحا منذ سنوات.. وهو الأمر الذى يتطلب حملات توعوية من خبراء الاقتصاد لتوعية المصريين بتنويع محفظة مدخراتهم، وضخ أموالهم فيما يعود عليهم بالنفع.. كما يتطلب تدخلا من الحكومة حتى لا تدخل منافسا فى سوق العقارات، وتؤدى الى رفع الأسعار لأرقام مبالغ فيها، فلا يعقل أن يصل ثمن وحدة سكنية مساحتها 100 متر فى مشروع سكنى استثمارى لأكثر من أربعة ملايين جنيه، فمثل هذه الأسعار الخرافية لا تعطى انطباعا بارتفاع مستوى معيشة المصريين وأحوالهم المادية، بل تؤكد ولعنا بالمساكن وتسقيعها من أجل الربح، وهو تصرف غير صحيح اقتصاديا كما أكد العديد من خبراء الاستثمار.
**
منذ عام تقريبا طلب منى صديق يعمل بإحدى الدول العربية مساعدته فى شراء شقتين فى مدينة اكتوبر، فسألته: هل أنت فى حاجة ملحة لهما للسكن؟
رد بسرعة: لا.. أريد وضع مدخراتى بهما خوفا عليها من التآكل وحتى تأتى لى بعائد؟
قلت له: لا أنصحك بذلك من واقع تجربة شخصية؟
تعجب الصديق وأخذ يجادلنى .. ولضيق الوقت سافر وترك مدخراته فى البنك بالدولار.. ومنذ اسبوعين اتصل بى يشكرنى أننى كنت سببا فى المحافظه على قيمة مدخراته وعدم إهدارها فى شراء وحدتين وغلقهما لعدم الحاجة إليهما.. وقال: مدخراتى تضاعفت قيمتها وقد ربطتها بشهادة دولارية تأتى لى بعائد شهرى.. فجزاك الله خيرا.
هذا مثال حى لصديق كان يجرى وراء اعتقاد خاطىء وهو أن شراء المساكن وغلقها هو الخيار الأفضل للاستثمار وأراد الله ألا يقع فيما وقع فيه آخرون- وأنا منهم- ويحافظ على مدخراته.
والواقع أن بناء أو شراء وحدات سكنية وغلقها يحرم المجتمع المصرى من الاستفادة من ثروة عقارية هائلة، فهو يحرم أولا ملاك هذه الوحدات من الاستفادة المادية من تأجير عقاراتهم المغلقة بما يعود بالنفع على استثماراتهم.. كما أنه يحرم المستأجر من كثرة المعروض وبالتالى انخفاض الأسعار، فى الوقت الذى تسعى فيه الحكومة ممثلة فى وزارة الاسكان لإنشاء مدن جديدة تلبى حاجة العديد من الأسر فى امتلاك وحدة سكنية، وكما يؤكد خبراء الاستثمار ينبغى ضخ الاستثمارات الحكومية والخاصة فى مشروعات أخرى تنعكس على حياة المواطن خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التى تتطلب تناميا حقيقيا فى المشروعات الزراعية والصناعية التى توفر متطلبات المعيشة وخاصة الغذاء بأسعار غير مبالغ فيها، ووضع حد للفاتورة الاستيرادية التى تتطلب موارد دولارية كبيرة.
لقد أكد العديد من خبراء الاقتصاد والاستثمار حاجتنا الماسة الى مضاعفة المشروعات التى تسهم فى الأمن الغذائى، ونصحوا بتوجيه الاستثمارات الى القطاعين الزراعى والصناعى، وترشيد الاستثمار العقارى الذى يشهد كسادا كبيرا فى مختلف محافظات مصر.. وهذه النصيحة ليست موجهة لكبار المستثمرين.. لكنها موجهة لكل من يمتلك مالا ويريد الاستفادة منه واستثماره فيما يعود بالنفع عليه وعلى بلده.. فهناك مجالات استثمار كثيرة لصغار المدخرين أكثر ربحية الآن من بناء مساكن وتركها بلا فائده وينبغى توعية المواطنين بها من خلال حملات توعية إعلامية فى مختلف وسائل الاعلام المصرية، ومن خلال التواصل مع المصريين العاملين بالخارج، وإنشاء شركات مساهمة للانتاج الزراعى والحيوانى والصناعى وطرح إسهمها فى البورصة مع شرح مزاياها وما ينتظر أن تحققه من أرباح للمساهمين فيها.
**
الغريب والعجيب أن معظم المساكن المغلقة مبنية بالمخالفة للقانون، وحتى التى حصل أصحابها على تراخيص رسمية من الأحياء والوحدات الادارية المسئولة لم يلتزم كثير منهم بالتراخيص وهذا السبب الرئيسى من بقاء هذه المساكن بدون مرافق وتقف مهجورة لسنوات طويلة، والأكثر خطرا أن بعضها بنى بدون الالتزام بالاشتراطات الهندسية الآمنة لبناء المساكن خاصة بعد زلزال 92 الذى فاجأنا وكان له ضحايا وأكد ضرورة الحرص على الحد الآمن لبناء المساكن حتى ولو لم نكن فى منطقة زلزال خطرة فالاحتياط واجب، والزلزال فى علم الغيب، وقد كشف زلزال جنوب تركيا وشمال سوريا مخاطر البناء غير الآمن للمساكن، ودفع السلطات التركية الى فتح ملفات الفساد فى بناء المساكن والذى انتهى بهم الى حالة الدمار والخراب التى تابعناها خلال الأيام الماضية فضلا عن عدد الضحايا، وهو الأكبر لضحايا زلزال فى المنطقة منذ عقود طويلة من الزمن.
لذلك ينبغى التشدد فى مصالحات البناء المخالف فى مصر.. فقد اعترف الأتراك بالخطأ الأكبر عندما تصالحت الأجهزة الحكومية مع أصحاب المبانى المخالفة وأكدوا ال 4 مليار دولار الذين جمعوهم من أصحاب المبانى المخالفة يحتاجون عشرة أضعافها لتعمير ما خلفه الزلزال.
ينبغى أن نستفيد من أخطاء الآخرين، كما ينبغى مراقبة العمارات السكنية تحت الانشاء وخاصة ما يتعلق بالأساسات من جانب الأجهزة المسئولة فى المحليات والمدن الجديدة لأن بعض محترفى الاتجار فى المساكين لا يلتزمون بالاشتراطات الآمنة، وكل ما يهمهم هو الربح ومبانيهم كلها مخالفات وتجاوزات كما يؤكد العديد من المسئولين فى الوحدات المحلية.. فمنع المرافق عنها ليس حلا مثاليا والأفضل من ذلك مراقبة مراحل بنائها مع إلزام أصحابها بتكلفة هذه المتابعة الدورية.