لوجه الله:
منذ وقوع زلزال تركيا وسوريا منذ أيام ونحن نعيش حالة صدمة بالغة لحجم الدمار الذى أحدثه الزلزال، وأعداد الشهداء الذين وقعوا ضحيته ويتزايدون كل يوم، ولذلك قضيت وقتا طويلا فى متابعة آراء خبراء الزلازل فى العالم.. والسؤال الذى أبحث عن إجابة عنه: ألم يكن بمقدور العلماء وخبراء الأرض فى العالم- ونحن فى عصر العلم- التنبأ بوقوع الزلازل والبراكين وغيرها من الظواهر الطبيعية المدمرة والتى يتساقط فيها سنويا المئات وربما عشرات الآلاف؟
وكانت إجابات علماء الأرض والزلازل واضحه وحاسمة: لا يمكن التنبأ بوقت وقوع الزلازال على وجه اليقين حتى ولو كانت هناك مؤشرات ودلائل تشير الى قرب وقوعها؟
ولا شك إن إجابات العلماء والخبراء تنبهنا الى عدة أمور لا ينبغى أن تغيب عن أذهاننا أولها: أن الزلازل والبراكين وغيرها من الظواهر الطبيعية ستظل آية من آيات الله فى خلقه، تفرض على الجميع أن يؤمن بوجود قدرة خفية تفعل مالا يستطيع أحد فعله، أو حتى التنبأ بوقت حدوثه مهما بلغ من العلم، وامتلك من وسائل حديثة لرصد حركة الأرض والبحار والمحيطات.. وهى قدرة الخالق سبحانه الذى قال فى القرآن الكريم: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وقال عز وجل (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ).
وقد اتفق علماء المسلمين قديما وحديثا على أن ما شهده ويشهده العالم من ظواهر طبيعية وخاصة الزلازل والبراكين هى من جملة الآيات التي ينبه الله بها عباده الى ضرورة الايمان به، والتسليم بقدرته، والاهتداء بهديه.. وأن الاستمرار فى تجاهل هداية السماء من شأنه أن يجلب لنا المزيد من غضب الله وعقابه، وهذا المعنى واضح فى النص القرآنى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، وقوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).
هذه النصوص القرآنية وأشباهها، تفرض علينا جميعا أن نسارع بالتوبة إلى الله، والاستقامة على دينه، والحذر من كل ما نهى عنه من الذنوب والمعاصي، حتى تحصل لنا العافية والنجاة في الدنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنا كل بلاء، ويمنحنا كل خير، وصدق الله حيث يقول: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وقوله عز وجل: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) وهذا لا يعنى أن يكون ضحايا الزلازل مذنبون أو آثمون كما قد يتوهم البعض.. لكنها رسالة من الخالق للجميع لكى ندرك أن فوق كل ذى علم عليم، وفوق الذين يدعون قدرتهم على تسخير الكون (قادر) يفعل ما يعجز عنه الآخرون.
**
العبرة الثانية التى يجب أن نخرج بها من وقوع الزلازل تحديدا وتجنب نتائجها التدميرية أن نأخذ بالأسباب وخاصة فى المناطق التى أكد خبراء الأرض أنها مناطق زلازل، وقد قال نائب الرئيس التركى عقب وقوع الزلزال مباشرة " هذا قدرنا.. نحن نعرف أننا فى منطقة زلازل وكان ينبغى أن نستعد لذلك جيدا فى مواصفات مبانينا ويجب أن نستعد من الآن للزلازل التى يمكن أن تحدث مستقبلا"، وهذا الكلام يؤكد على ضرورة الأخذ بالأسباب وهو مطلب دينى، فواجب الإنسان أن يحتاط، وأن يستجيب لنصائح ووصايا خبراء البناء، ويعد بيته بما يوفر له ولأسرته وللأجيال القادمة الأمان من الزلازل بقدر ما يستطيع، والأخذ بالأسباب عبادة واجبة، وسنة كونية مع ضرورة اليقين في قدرة الله تعالى ومشيئته، وقد قال الله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"، فقد علق الخالق سبحانه وتعالى الحياة الطيبة والجزاء الأوفى على العمل الصالح، والأخذ بالأسباب هنا واضح، حيث لا يجوز لإنسان أن يهمل أو يتقاعس وبعد أن يلحقه الأذى يقول (هذا نصيبى وذاك قدرى) فقد أعطى الله لك عقلا تميز به وتختار من بين البدائل، وعليك أن تتحمل نتيجة اختيارك، فمن أخذ بالأسباب واحتاط ووفر لنفسه ولأسرته الأمان بالبناء وفق القواعد والأسس الصحيحة نجاه الله من الزلزال الذى فاجأ الناس فجرا وهم نيام، وقد شاهدنا بعض العمارات السكنية تتساقط بينما تقف عمارات أخرى بجوارها صامدة.. ومن هنا يتضح لنا أهمية الأخذ بالأسباب والاحتياط فى بناء المساكن.
**
علينا أن ندرك أن ديننا دين توكل لا تواكل، ودين عمل وأمل، ونحن مطالبون شرعا بأن نأخذ بالأسباب ونلتزم بها، فأنبياء الله رغم أنهم كانوا مؤيدين من السماء، ورغم أن الله وعد الأولياء والصالحين بأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إلا أنهم جميعا أخذوا بالأسباب؛ فهذا نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام يأمره ربه أن يصنع سفينة ليحمل فيها من كل زوجين اثنين، ويحمل فيها من آمن معه، فيستجيب لهذا الأمر ويصنعها؛ قال تعالى:"فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ"، ونبي الله موسى عليه الصلاة والسلام يأمره ربه أن يضرب البحر بعصاه حين أتبعه فرعون وجنوده يريدون القضاء عليه وعلى من آمن معه: "فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم"، وأخبرنا القرآن عن ذي القرنين أنه كان يأخذ بالأسباب، فقال سبحانه: "إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً".. وكان سيدُنا محمد ﷺ مثلًا أعلى في الأخذ بالأسباب، فقد خطط للهجرة تخطيطًا دقيقًا، وأخذ بالحيطَة، واستعان بأهل الخبرة، ودَبَّر الأمور بدقة، رغم يقينه أن الله تعالى لن يخذله، وأنه يؤيده وينصره؛ وفي هذا كله درس لنا بوجوب الأخذ بالأسباب.
ومن الأخذ بالأسباب- كما قال خبراء الطوارىء- سرعة الاختباء فى أماكن آمنة مثل أسفل المناضد والمكاتب وحلوق الأبواب بمجرد الشعور بزلزال.. وضرورة اعداد عدة حقائب متوسطة الحجم فى كل منزل بكل منها وسائل اسعاف أولية وكشاف إضاءة وزجاجة مياه وبعض الأطعمة الجافة وذلك لالتقاطها واستخدامها إذا ما فاجأنا زلزال وحبسنا تحت الأنقاض حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.. ولا بأس أن نفعل ذلك خاصة وأنه فى مقدور كل أسرة.
حفظنا الله جميعا من كل مكروه