إذا كان الله سبحانه وتعالى يرسل على رأس كل مئة عام من يجدد للأمة أمر دينها كما يروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه جل وعلا يرسل كذلك من يجدد لها أمر ثقافتها ويحفظ لغتها ويصون تراثها على ما بين اللغة والدين من ارتباط وثيق؛ فاللغة وعاء الدين ومستودع الثقافة العربية وتراثها، وقد منّ الله على هذه الأمة بأن ألقى في قلب الشيخ الجليل الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة حفظه الله ورعاه محبة اللغة العربية وآدابها وتراثها وجعله سندا لها. ولأن الشعر العربي بجناحيه الفصيح والشعبي كان وسيظل مستودع تراث هذه الأمة وحافظ مجدها وأيامها وسجل مآثرها وله دوره الكبير في حفظ الهوية وصيانة التراث على تنوعه وتعدد أشكاله؛ فقد حفظ الشعر قديما أنساب وأيام وتواريخ العرب حيث لم يكن هناك كتابة ولا تدوين وجاء الشعر الشعبي ليكمل الدور الهام في تأكيد الهوية والخصوصية ويبرز السمات الاجتماعية والثقافية الفارقة لكل البيئات العربية؛ فعلى مدار عقود سجل الكثير من شعراء الخليج والجزيرة مآثر وقيم وعادات جماعاتهم وقبائلهم وعبروا عن أوجاعهم وترجموا أحلامهم وآمالهم وكانوا متحدثين رسميين بلسان جماهيرهم العريضة في كل المحافل .
وإذا كان الشعر الفصيح يحظى بعمق خاص في الزمن العربي منذ عصر ما قبل الإسلام إلى الآن باعتباره الواجهة الرسمية للغة العربية فإن الشعر الشعبي هو الوجه الآخر للهوية العربية والمكونات الاجتماعية ؛ من هنا ولإدراك إمارة الشارقة وسلطانها المستنير المبدع الشيخ سلطان القاسمي حجم قيمة القصيدة الشعبية في وجدان الجماهير كان الحرص على الاحتفاء بها وبشعرائها حيث انطلق لأول مرة في الوطن العربي عام 83 مهرجان الشارقة للشعر الشعبي الذي وضع القصيدة الشعبية على خريطة الاحتفاء، لتقف الشارقة متفردة بهذا المهرجان الذي تفخر به دائرة الثقافة تحت قيادة مدهشة وإنسانية لسعادة الأستاذ عبد الله العويس وبجهود مخلصة ومبدعة لمجلس الحيرة الأدبي وانتقاء حريص للأصوات المشاركة وتنظيم احترافي بإشراف الشاعر المبدع بطي المظلوم وفريق عمله .. وهو المهرجان الذي صار اليوم ومع دورته الـ 17. علامة مضيئة ومتفردة في المشهد الثقافي والإبداعي العربي على الإطلاق.