كلام بحب
•• بناء الإنسان يأتى فى أولوية الدول ربما قبل بناء اقتصاد قوى وإقامة مؤسسات راسخة .. فالأجيال المتعاقبة الواعية عليها عبء التفكير والابتكار وإنشاء المصانع وتطوير التجارة وقطاع الخدمات وبناء الجيوش وحماية الأوطان .. باختصار أطفال اليوم هم قادة الغد ومستقبل أى دولة .
يبدأ بناء الإنسان بتكوين الأسرة التى هى النواة الأولـى للمجتمع .. وفى حياة أسرية هادئة قائمة على المــودة والرحمة تكون التربية الصحيحة والصالحة للأبناء .. وبعد ذلك يأتى دور المؤسسات الأخـرى الدينية والتعليمية والثقافية والإعامية و.... !! .
إذا لم تكن لدى الدول ملامح واضحة وثوابت عقائدية وأخلاقية وعادات وتقاليد راسخة لتربية الأجـيـال .. فعليها أن تقلق بشأن المستقبل .. وتنتظر أن ينشأ أبناؤها بلا وعى ولا هوية ويسهل انقيادهم ويكونون ُعرضة للغزو الثقافى الخارجى فى زمن « السوشيال ميديا » مما ينتج عنه زيـــادة الانـحـراف والعنف والتطرف .. لذلك لابد من البداية الاهـتـمـام بـالأسـرة وتكوينها على أسس سليمة والحفاظ على كيانها من التفكك وحمايتها حتى يمكنها تعليم الأبناء القيم الأخلاقية والانسانية وأن تسلحهم بالإيمان وتزرع فيهم حب الاجتهاد والعمل بإخلاص والسعى للعلم والابتكار.. والأهم أن يتمسكوا بدينهم وبحب الوطن والتضحية من أجله والاعـتـزاز بقول رأيهم بحرية وصراحة وقبول الآخر .
قبل التفكير فى قانون للأحوال الشخصية وحقوق الـزوجـين والأطــفــال .. فالأهم هو ضمان تكوين الأسـرة وتربية الأبناء على أسـس سليمة قائمة على المــودة والرحمة والعشرة الطيبة كما جاءت بذلك الشرائع السماوية وكما كان يفعل الأجــداد والآبـاء الذين كانت كلمة « الطلاق » نادراً ما تخرج من أفواههم وكان الآباء والأمهات يتحملون كل شىء فى سبيل استمرار الحياة وبقاء الأسرة من أجل عيون الأطفال .
فى آخر رسالة تناقش هذا الموضوع الحيوى نال الباحث عبدالله محمد ابراهيم عوض الله درجـة الدكتوراة من كلية دار العلوم بجامعة المنيا عن رسالته بعنوان « السنة النبوية وأثــرهــا فــى تصحيح المفاهيم الخاطئة فى تربية الأولاد » تناول فيها أهم المفاهيم المغلوطة التى تبدأ باختيار الوالدين والانجاب .. ومسئولية الأسرة وكيف تؤثر هذه المفاهيم على التفكير التربوى وأساليب تربية الأطفال .. ومسئولية ذلك عن تعليم الأبناء التعصب وسهولة قولهم هذا حلال وهذا حرام والفهم الخاطىء للوسطية وصواب الرأى الواحد .
تأتى الرسالة استكمالا لما بــدأه الدكتور عبدالله محمد إبراهيم « الشهير بالشيخ أنا » فى الماجستير الذى كان عن أثر السُنة فى تصحيح المفاهيم الأسرية الخاطئة وعلاجها لواقع الحياة .. ليعالج فى الرسالتين المفاهيم المتوارثة والراسخة فى الأذهــان ويتعامل معها المجتمع على انها بديهيات مع انها غير صحيحة وتتناقض مع ما جـاء فى السنة النبوية الشريفة وتتسبب فى الكثير من الخلل فى العلاقات الأسرية وتكون مصدر شقاء للزوجين وللعائلات وتــؤدى لانهيار الأسر وعدم بناء مجتمع سليم .. والأهم انها تضيع الأبـنـاء وتـزيـد التصلب والتحزب الفكرى .
يؤكد الدكتور عبدالله ان السُنة النبوية تأمر بالرفق والـلـين واليسر وتنهى عن التشدد والجمود والغلظة والقسوة فى الحوار والتعامل مـع الآخـريـن .. لذلك يجب نشر ثقافة أدب الاختلاف وعـدم رمى المخالف بالتهم فى الأمــور الاجتهادية ويستدعى ذلـك تكاتف الأســر مع مؤسسات المجتمع خاصة التعليمية لتؤتى التربية الصحيحة النفع المطلوب .
ويحذر « الشيخ أنـا» فى رسالته من أسلوب التربية على السلبية والخنوع حتى ولو كان ذلك عند التحاور مع أهل العلم لأن هذا يمنع الاختلاف والمناقشة .. ولكن يجب أن يكون ذلك بأدب وباحترام سواء للعلماء أو لأى شخص آخر.
.. ويضرب مثالاً على ضـرورة تربية الأبناء على عـدم التعصب بما فعله الإمــام مالك الذى رغم مكانته وعلمه لم يكن متعصباً لرأيه ، بل انه رفض أن يُعلق هارون الرشيد كتابة « الموطأ » على الكعبة وقال له يا أمير المؤمنين ان أصـحـاب الـرسـول اختلفوا فى الفروع وتفرقوا فى البلدان وكل سُنة مضت .. يعنى أهل كل بلد أخـذوا غير البلد الآخر فلماذا نجبرهم على رأى واحد ؟! .
.. ولأن الأطــفــال يـتـعـرضـون للشائعات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعى فيطالب الدكتور عبدالله حتى نتجنب الفتنة عدم تجاهل منهج التعايش مع غير المسلمين لأن هناك من يبتعد عن الوسطية .. وكـذلـك يوجد مـن يـربـون أولادهـــم على سهولة قول « هذا حلال وهذا حرام » رغم ان كل شىء محسوم فى الشرع وكلاهما واضح وبين .. ولابد أيضاً من الابتعاد فى التربية عن كل فكر تكفيرى .
ويــرى الباحث ان الاخـتـلاف سُنة كونية والأنبياء والصحابة والملائكة اختلفوا ولكن فى الأمـور الاجتهادية فقط والتى لا نص فيها.. وان على الزوجين تعليم الأبناء الأخذ بالأيسر كما كـان يفعل النبى « صلى الله عليه وسلم » الذى ما ُخير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً.
الدكتور عبدالله نال الدكتوراة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولـى وناقشه فى رسالته الأســاتــذة الـدكـاتـرة محمد عبدالرحيم عميد كلية دار العلوم بجامعة المنيا الأسبق وإبراهيم محمد عبدالرحيم استاذ الشريعة الإسلامية بــدار العلوم بجامعة القاهرة وزاهر فؤاد أبو السباع استاذ الشريعة بدار العلوم بالمنيا.. ومطلوب الاستفادة من مثل هذه الدراسات الجادة عند مناقشة قانون الأحـــوال الشخصية وبحث العلاقات بين الـزوجـين وحـقـوق الأطـفـال للقضاء على المفاهيم الخاطئة منذ أخذ قرار الزواج من الشاب أو الفتاة ثم عند الانجاب والأهـم الاستعداد لتربية الأولاد لتخريج أجيال ستحمل على عاتقها بناء مستقبل الوطن .. ويجب تحصينهم ضد كل الهجمات التى لا تريد الخير لمصر ولشعبها لا اليوم ولا فى المستقبل !! .