رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

(بعين شاعر)

ظلت البشرية ترتقي سلم الحضارة منذ عمر الكون قرنا بعد قرن وكثيرا ما كانت تتعثر فتسقط إلى درجاته السفلى، وقد حققت كثيرا مما كان يحلم به مفكروها وفلاسفتها وعلماؤها وما نادى به أنبياؤها في رحلة صعودها على مر العصور، لكنها أيضا خسرت وما زالت تخسر في رحلتها نحو الحياة الإنسانية الحقيقية الكثير من النبل بسبب الصراعات والمطامع والحروب والكثير من الدماء بسبب التطرف والإرهاب وغياب ثقافة التسامح وقبول الآخر والإيمان بحتمية التعايش لاسيما في العقود والسنوات القريبة الماضية، وقد ظل ظلام العالم يصرخ مستغيثا بالضوء وظلت العتمة تنادي على النور وبقيت الكراهية والإقصاء تبحث عن المحبة والتسامح والتعايش ، ومن هنا ومن قلب هذا الواقع القاتم وفي تلك الأجواء الصعبة التي أحاطت بالبشرية ألقيت في أرض الإمارات المباركة المسالمة بذرة صالحة بكل المعاني بإطلاق" منتدى أبو ظبي للسلم" مارس 2014 برئاسة الشيخ الجليل عبد الله بن بيّه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، وتجسيدا لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله )في أن تكون دولة الإمارات " داعمة للسلام والاستقرار في منطقتنا والعالم ..وعونا للشقيق والصديق" على حد تعبير سموه ، واليوم صارت تلك البذرة شجرة عظيمة يمتد ظلها إلى مناطق شاسعة من العالم شرقا وغربا؛ يستظل بها المتعبون من لهيب التناحر وحر البغضاء،
ومد المنتدى يده منذ لحظة ميلاده هلالا صغيرا في السماء الداكنة وعلا صوته مناديا على الحكماء والأخيار والمصلحين في كافة أرجاء الأرض حتى صار الهلال قمرا منيرا، ولبى الدعوة زعماء وقادة وباحثون ومفكرون وصارت دعوة الشيخ الجليل وأمنيته وقراره الإنساني بـ "إعلان الحرب على الحرب" منهاجا وشعارا ردده كبار العالم من السياسيين ورجال الدين وخلال عقد واحد -تقريبا- انطلق قطار السلم يصل المحطة بعد الأخرى وفي كل محطة يقفز داخله المزيد من الأخيار والباحثين عن النجاة من الحكماء والمصلحين والزعماء الذين سئموا الحروب وتفهموا كلفتها لتؤتي الشجرة ثمرتها الأولى عبر" إعلان مراكش" التاريخي لحقوق الأقليات في الملتقى الذين انعقد في المغرب 2016 برعاية جلالة الملك محمد السادس ملك المغرب وبحضور ما لا يقل عن 500 شخصية ممثلة لكافة الأديان والطوائف والمذاهب والفلسفات ليكون ذلك الإعلان بعثا عصريا لـ "صحيفة المدينة المنورة" وعودة جديدة لإسهام علماء المسلمين مرة أخرى في مشهد الحضارة الإنسانية بعد زمن من الجمود والتكلس وقد اتسعت جهود المنتدى وتعددت وجوهه وتنوعت ثماره على أرضية وحدة المصير الإنساني وحتمية التعايش وضرورة النظر إلى الدين باعتباره خيمة كبيرة تتجمع تحتها البشرية بكل مذاهبها وعقائدها وأن الإيمان الحقيقي يجمع ولا يفرق.
(محطات)
وقد تصدى الملتقى الأول لمنتدى أبو ظبي للسلم عام 2014 لقضايا العيش المشترك، وضرورة تصحيح المفاهيم، والنظر في أمر الفتوى في زمن الفتن، بينما ناقش الملتقى الثاني أبو ظبي 2015 بمشاركة الحضور جميعا من رجال دين وأكاديميين وباحثين محاور هامة مثل: جغرافية الأزمات في المجتمعات المسلمة وتجارب السلم والمصالحة وكذلك تصحيح وترشيد المفاهيم المرتبطة بتعزيز السلم وتأصيل وممارسة السلم في الإسلام إلى التصدي ثم بعد ذلك في الملتقى الثالث 2016 التف المشاركون حول قضية حيوية جدا هي " الدين والدولة الوطنية" ذلك الأمر الذي كان يحتاج إلى شجاعة التفكيك وإعادة الفهم والتأويل في عصرنا المليء بالخلط في هذا السياق حيث نوقشت الكثير من المحاور وقدمت الكثير من الأطروحات منها ما يتعلق بالدولة في الفكر والتجربة التاريخية ثم الدولة بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية وكذلك تطرق المشاركون من كبار العلماء والباحثين إلى مفهوم إسلامية الدولة وقد شهد عام 2016 كما أشرنا في البداية إلى إعلان مراكش التاريخي الذي انطلقت بعده القافلة الأمريكية للسلام 2017؛ حيث قدمت نمطا مختلفا من التحاور الديني تجاوز النقاش والجدال الديني إلى قيمة التعارف والتآلف والتعاون وقد أثمرت جهود القافلة بعد ذلك عن "مؤتمر واشنطن"، ومن ثم "مؤتمر أبو ظبي" حتى وصل قطار المنتدى إلى محطة حلف الفضول العصري الذي أعلن في ملتقى 2018 حيث وقع زعماء وقادة ورجال دين من أطياف عالمية شتى "ميثاق حلف الفضول الجديد" الذي تنص بنوده على احترام مبدأ الكرامة الإنسانية وحرية الاختيار وممارسة الدين ومبادئ التسامح والعدالة والسلم والرحمة والبر بالآخرين وكذلك الوفاء بالعهود والمواثيق والتضامن.. وإن كنا نحاول في تلك السطور الوقوف أمام بعض المحطات الهامة في مشوار "منتدى أبو ظبي للسلم" دون تتبع ورصد تاريخي صارم لخطواته وجهوده الفارقة أو حصر لكامل منجزه- فهذا أمر لا يتسع له المجال في مقال واحد - فقط نلقى الضوء عبر سطور بسيطة وبجهد قليل على مشوار طويل وجهد عظيم يبذله الشيخ الجليل سالكا كل الطرق التي من شأنها تصحيح المفاهيم المغلوطة والمستقرة في العقول والأذهان حول العقائد والتعاملات الإنسانية وفكرة الوطن والآخر المختلف وهنا نعود إلى عناوين غاية في الأهمية انعقد تحتها الملتقى السنوي للمنتدى في أبو ظبي منها: السلم العالمي والخوف من الإسلام 2017وكم كان هذا العنوان موفقا ودار تحته الكثير من النقاش وقدمت أطروحات وفككت أفكار كان لابد من مواجهتها في لحظة زمنية ساد فيها الخوف من الإسلام وهيمنت " الإسلاموفوبيا" على الأذهان ولعل محور "الخوف من الإسلام الأسباب والسياقات" الذي تضمنه برنامج الملتقى أضاف الكثير في هذا السياق وقد انطلق الملتقى في السنوات التالية يتحسس موضوعاته ويختار عناوينه بعناية فائقة وبشكل يشبه صعود "السُلم" حيث يمثل كل عنوان أو ملتقى درجة ترتقي بالعقل والروح إلى الدرجة الأعلى في رحلة الصعود نحو الغاية النبيلة من كل تلك الجهود، لذا انشغل المنتدى في ملتقياته بعد ذلك بدور "الأديان في تعزيز السلم" 2019 وبـ " التضامن وروح ركاب السفينة" 2020 قيم ما بعد كورونا وهو العنوان الذي كان لابد من رفعه شعارا لدورة استثنائية من دورات الملتقى فرضت فيها "الجائحة" كلمتها على العالم، لينطلق الملتقى برئاسة الشيخ الجليل بن بيّه بعد ذلك 2021 لمناقشة "المواطنة الشاملة من الوجود المشترك إلى الوجدان المشترك" واهتم المجتمعون فيه بصياغة وتصور مفهوم جديد للمواطنة الشاملة وهو الملتقى الذي اهتم أيضا بإصدار" إعلان أبو ظبي للمواطنة الشاملة" ذلك الإعلان الذي استقى مفاهيمه من النصوص الدينية مستوعبا اللحظة الحضارية وتجلياتها المتمثلة في الدساتير والمواثيق والأعراف الدولية، ولا يمكن أن ننسى في خضم الإشارة إلى الجهود والأفكار إطلاق المنتدى لجائزة" الحسن بن على- رضى الله عنه- للسلم الدولية" تلك التي أطلقها المنتدى في ملتقاه الثاني 2015 وخصصت لتكريم أصحاب الجهود والمبادرات العلمية في صناعة ثقافة السلم ولاشك أن وقوع الاختيار على اسم الإمام الحسن بن علي نابعا من قراره العظيم وموقفه المبارك بالصلح بين فئتين من المسلمين حقنا لدماء المتصارعين ليصبح بذلك رمزا تاريخيا وملهما لكل من جاء بعده من الباحثين عن السلم والسلام.
وأذكر أن الفائز في دورتها الأولى كان المفكر الهندي وحيد الدين خان، الذي قضى حياته يدعو محاربة العنف ووضع عشرات المؤلفات لتأصيل أفكاره ..ولا شك أن كل هذه الجهود والأفكار والمبادرات من شأنها محاصرة العنف والكراهية من كل اتجاه وإطفاء نيران الصراعات بالقول والعمل، بالبحث الفكري والعلمي وتصحيح الأفكار وكذلك بالفعل المادي الذي يشكل معادلا موضوعيا لكل تلك الدعوات الباحثة عن السلم والحياة..
(محطة الملتقى الإفريقي للسلم)
وقد استمرت جهود الشيخ الجليل عبد الله بن بيّه ومنتدى أبو ظبي للسلم المبارك في حث المتخاصمين والمتناحرين في كل مكان على الالتقاء والحوار ونبذ الكراهية وعلى الإيمان بحتمية السلم، والسعي نحو فرص العيش السعيد، حتى وصلت أخيرا إلى محطة انعقاد "المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم "للسنة الثالثة حيث بدأ من 2021 بموريتانيا ليصبح ظلا لشجرة "منتدى أبو ظبي للسلم" أو تجليا من تجلياته ووجها من وجوهه وربما صار بذرة "سلم" جديدة لشجرة أخرى تنمو مجددا في أرض إفريقيا السمراء يفر إلى ظلها المنهكون من الصراعات المرة والمتعبين من دعاوى القتل والخطف والسلب باسم الدين والجماعات المتشددة في أرجاء الأرض السمراء، لاسيما فئات المرأة والشباب وهو المؤتمر الذي انعقد مؤخرا برئاسة العلاّمة الجليل عبد الله بن بيّه وبرعاية السيد عبد الله الغزواني رئيس جمهورية موريتانيا تحت شعار " ادخلوا في السلم كافة"
وقد تحدث فيه العلامّة عن أمور غاية في الأهمية والمصيرية أهمها اعتبار سماحته أن الدخول في السلم لم يعد ترفا ولا اختيارا بقدر ما صار أمر حتميا على البشرية لإنقاذ نفسها من الضياع والغرق، كما تعرض إلى ضرورة فك الاشتباكات الذهنية وإزالة أي التباس أو خلط يصنعه الفكر المتشدد ودعاته ودعا كذلك إلى وجوب وضع خارطة طريق لجغرافيا الأزمات التي تستوجب التدخل بالوساطة والحوار،
وقد تابعت حجم التفاعل المدهش مع فعاليات المؤتمر وفخامة الحضور وما له من دلالات ولاحظت حرص خمسة رؤساء على الحضور الشخصي للمؤتمر على رأسهم رئيس الجمهورية الموريتانية السيد محمد الغزواني والسيد محمد بخاري رئيس نيجيريا ، وقد كان لمصر حضورها المتمثل في فضيلة الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف إلى جانب عدد كبير من الفاعلين وصناع القرار على مستوى العلماء وكذلك المفكرين والباحثين ومنظمات المجتمع المدني والقادة الشباب، جميعهم أبدى استيعابا كبيرا لدعوة الشيخ بن بيّه لـ "حتمية الدخول في السلم" في لحظة حرجة من عمر البشرية وتجلى ذلك في التوصيات النهائية التي جاءت كصرخة في وجه الحروب والدماء والصراعات المقيتة التي تسلب الإنسان فرصة العيش السعيد والآمن، ومنها التوصية بتدريس قيم التسامح وثقافته في المناهج الدراسية والاعتماد على الحوار دون غيره والاستناد إلى قوة المنطق وليس منطق القوة في حل الخلافات.. إلى آخر التوصيات الهامة التي تعد وغيرها من جهود مباركة ثمرة من ثمار جهد الشيخ بن بيّه و"منتدى السلم" وسعيه المخلص نحو إنقاذ الإنسانية من جحيم الكراهية.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة