أبيض وأوسود
ما بين جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية تضررت اقتصاديات كل دول العالم خلال الأربع سنوات الأخيرة.
من صمد أمام مراوغة وشراسة الفيروس الذي قتل الملايين - إلى سبتمبر 2022، كانت منظمة الصحة العالمية (WHO) أحصت 6.5 مليون وفاة بسبب "كوفيد19"- ودمر الأنظمة الصحية، وقع في شراك نيران القتال العبثي ما بين موسكو وكييف الذي يدخل الشهر المقبل عامه الثاني، بعد أن تسببت في جنون أسعار البترول والغاز والقمح.
مصر في قلب العالم كمحطة للتجارة العالمية، وملتقي لسلاسل توريد الغاز والنفط وكابلات الاتصالات، وقبلة للسياحة، لم تكن بعيدة ولا استثناء من الجائحة والحرب وتداعياتهما الإقتصادية الصعبة، لكن معدلات النمو المرتفعة ومركزية الحكومة التي أنجزت العديد من المشاريع الاستراتيجية والعملاقة والسياسة النقدية الحكيمة ساهمت في تقليل الأضرار.
ربما العودة القوية للسياحة هذه الأيام تمثل قوة الدولة المصرية في السنوات الأخيرة وقدرتها على مجابهة الأزمات، والمؤكد أن ارتفاع دخل قناة السويس من 4.5 مليار دولار إلي 8 مليار دولار سنويًا دلالة علي جدوي المشروعات القومية التي تمت في عهد الرئيس السيسي، علي أن الطفرة الكبيرة في القطاع العقاري يمثل استراتيجية قومية تستحق التوقف والدعم والمساندة.
الأرقام لا تكذب ولا تتجمل، ففي القطاع العقاري نحن أمام صناعة ضخمة تمثل قاطرة للإقتصاد المصري حيث ترتبط بها أكثر من 100 صناعة تابعة، وتساهم في تشغيل المصانع المصرية لتوفير مكونات التنفيذ للمشروعات المختلفة، وهو ما يعكس أهمية وحجم القطاع العقارى وارتباطه باستمرار عمل القطاعات الأخرى أيضا. والأهم أن القطاع العقاري قطاع استراتيجي واعد يساهم بنحو 20% في الناتج الإجمالي المحلي، كما يساهم في توفير حوالي 5 ملايين فرصة عمل، ويعد محورًا أساسيًا في خطة التنمية العمرانية الشاملة التي تنفذها الدولة حاليا في كافة أنحاء الجمهورية. والأكثر أهمية أن ما بدأته الحكومة بالتعاون مع مسئولي الإسكان والمطورين العقاريين لبحث إمكانية تصدير العقار؛ أي توفير وحدات سكنية لغير المصريين بالدولار يمثل تفكيرًا ذكيًا يأتي من خارج الصندوق للاستفادة القصوي من القطاع العقاري الضخم والقوي لزيادة مساهمته في الناتج الإجمالي المحلي، وتوفير العملة الصعبة التي نحتاجها في الوقت الراهن بعيدًا عن الحلول السهلة المتمثلة في اللجوء للإستدانية من الكيانات الدولية.
علي أن إرتفاع سعر الدولار من 18 إلي 30 جنيهًا مصريًا يضع هذا القطاع الاستراتيجي أمام تحديات كبيرة، ويضع خطة الحكومة في تصدير العقار أمام عقبات لابد من العمل علي تذليلها علي الفور، حيث أن إرتفاع سعر العملة الخضراء له تأثيره كبير في ارتفاع أسعار مواد البناء وتكلفة التنفيذ للمشروعات المختلفة والمبيعات المحققة في ظل الأسعار السابقة مما يلقي بالعديد من الآثار السلبية علي المطورين وقد يلحق هذا القطاع الحيوي بخسائر فادحة
القطاع العقاري القوي والذي يمثل صمام أمان ليس لتوفير السكن المناسب بالسعر المناسب لكل شرائح المجتمع، ودعم المشروعات القومية فقط، وإنما للحفاظ علي الثروة العقارية حيث أنه خلال الجائحة والحرب في السنوات الأربع الماضية تحلت الشركات العقارية الكبري والمتوسطة بوطنية لامثيل لها، فرغم ارتفاعات أسعار مواد البناء والأجور لم تلجأ لزيادة أسعار العقارات بمشاريعها، وهو ما أدي إلي قوة هذا القطاع وتحوله إلي ملاذ آمن للاستثمار والأكثر ربحية خلال الأزمات فقد زادت حجم المبيعات وقدرت بنحو 150 مليار جنيه سجلتها الشركات المقيدة في البورصة خلال النصف الأول من العام الماضي. وحسب تصريحات الدكتور محمد فريد، رئيس البورصة المصرية، خلال مؤتمر ملتقي بناه مصر 2022 تحت عنوان ” فرص التنمية والتمويل بأفريقيا والدول العربية في ضوء المتغيرات العالمية “، فإنه "يوجد حوالي 13 شركة عقارية مدرجة في البورصة المصرية، حيث ارتفع إجمالي حقوق الملكية لتلك الشركات من 19.1 مليار جنيه إلي 77.7 مليار جنيه بنهاية يونيو الماضي. وبالتالي نحن أمام مهمة واجبة بدعم هذا القطاع الاستراتيجي وتذليل العقبات أمامه لتحيقيق الأهداف المنشودة منه، والحفاظ علي ثرواته وأصوله.
وإحدي نقاط القوة في هذا القطاع هو وجود تكتلين حاكمين يضم كل العاملين به، يدافعان عن مصالح القطاع ومصالح المصريين في السكن والحفاظ علي ثرواتهم وهما: غرفة صناعة التطوير العقارى باتحاد الصناعات المصرية، وشعبة الاستثمار العقارى باتحاد الغرف التجارية، ومن حسن الحظ أنهما يرأسهما شخص وطني واحد هو المهندس طارق شكري، نائب رئيس لجنة الإسكان بالبرلمان المصري، وهو رجل يتمتع بالنزاهة والفطنة والعمل الجاد من أجل الوطن مهما كانت خسائره الشخصية، وهو ما يسهل مهمة ودور الحكومة في محاورة رجال هذا القطاع ووضع روشتة إنقاذ له من العقبات التي يتعرض لها.
وقد وضع رجال القطاع العقاري في اجتماع لهم مؤخرًا عددًا من الحلول العاجلة للمرور من هذه الأزمة بدون خسائر، وخاصة مع الأهمية التي يمثلها القطاع العقارى للاقتصاد المصرى، وعلي الحكومة سرعة الدراسة والبت في هذه الحلول للمحافظة علي هذا القطاع، وللحفاظ علي إنجازات لا ينبغي ان نفرط فيها.
من بين الحلول إضافة مدة زمنية لكل المشروعات الجارى تنفيذها، وتتراوح المدة بين 9 و12 شهرا بدون احتساب أي فوائد، وإرجاء سداد الأقساط والفوائد على الأراضى لمدة زمنية توازى المهلة الممنوحة لتنفيذ المشروعات لجميع الأقساط المتبقية. وانضمام القطاع العقارى لمبادرة الحكومة والمخصصة لدعم الصناعة المصرية بتمويلات 150 مليار جنيه، وبفائدة 11% مدعمة من الدولة المصرية، وأن يكون طرح الأراضى الجديدة بأقساط على فترات زمنية طويلة تصل إلى 10 سنوات، بحيث يكون سداد فوائد الأقساط من العام الأول، ولكن يبدأ سداد قسط الأرض نفسها من العام الرابع لتنفيذ المشروع، وذلك أسوة بما تم سابقًا ولاقى نجاحاً. والدعوة إلى لقاء عاجل مع محافظ البنك المركزى لمناقشة الوضع الراهن لملف التمويل العقارى باعتباره حلا عاجلا وضرورة ملحة أمام شركات التطوير العقار للحفاظ على المبيعات وسد الفجوة بين أسعار البيع والقدرة الشرائية للعملاء، والتأكيد على تبنى فلسفة أن تكون الوحدة ضامنة للتمويل العقارى وليس القدرة الائتمانية للعميل. والعمل بكامل الجهود المتاحة للتوسع في ملف تصدير العقار، وذلك لتوفير عملة صعبة للدولة، وكذلك الاستفادة من التميز السعرى للعقار المصرى أمام العقارات المنافسة في المنطقة، والحفاظ على مبيعات الشركات العقارية، مع طرح التحديات أمام الحكومة للتوسع في هذا الملف.
الكرة الآن في ملعب الحكومة والتي أعتقد أنها لن تتواني لحظة في دعم هذا القطاع الاستراتيجي.