ترتبط مصر والهند بعلاقات تاريخية تمتد إلى 75 عاما. ومنذ نشأتها مرت هذه العلاقات بفترات من القوة والمتانة أحيانا، والضعف والفتور أحيانا أخرى، بيد أنها استعادت زخمها مرة أخرى في إطار سعي مصر في الأعوام القليلة الماضية، وتحديدا منذ عام 2014، نحو تنويع وتوسيع دائرة شركاءها الاستراتيجيين في العديد من مناطق العالم، ومن ضمنها القارة الآسيوية، التي تنتمي إليها الهند.
وقد شهدت العلاقات المصرية الهندية تطورا واضحاً خلال الفترة الماضية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والبيئية. وحرصت كل من مصر والهند على تعزيز العلاقات الثنائية، من خلال تكثيف الزيارات رفيعة المستوى، فضلاً عن الدبلوماسية المصرية الجادة لتعزيز الاتجاه شرقاً والتعاون مع القوى الكبرى في القارة الآسيوية، بما في ذلك الهند، مع الحفاظ على علاقات متميزة ومتوازنة مع كافة دول العالم.
وبمناسبة احتفالاتها في السادس والعشرين من يناير الجاري بعيد الجمهورية الرابع والسبعين، وهو ذكرى بداية العمل بالدستور الهندي عام 1950، والتي تزامنت أيضا مع مرور خمسة وسبعين عاماً على تدشين العلاقات المصرية الهندية، وجهت جمهورية الهند الصديقة الدعوة للرئيس عبدالفتاح السيسى للمشاركة كضيف شرف رئيسي في هذه المناسبة التاريخية المهمة لهذا البلد منذ استقلاله في عام 1947، وهي الدعوة التي عكست في مضمونها عدة دلالات مهمة، يأتي على رأسها التقدير الشديد من جانب الهند لجمهورية مصر الصديقة، وأهميتها بالنسبة للهند التي تسعى للارتقاء بالعلاقات بين البلدين، خاصة وأن مصر والهند دولتان تجمعهما علاقات تاريخية وحضارية تفرضها السمات المشتركة بينهما، ودورهما الرائد في نشأة حركة عدم الانحياز، كما أنها تعكس أيضا تقدير الهند العميق لمصر قيادة وحكومة وشعبا وحرصها على تعزيز التعاون المشترك بين البلدين الصديقين. ومن الجدير بالذكر أن القوات المسلحة المصرية قد شاركت في هذه الاحتفالات.
ومما يصب في هذا الإطار أيضا دعوة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مصر لحضور قمة مجموعة العشرين 2023 كـ «دولة ضيف» خلال فترة رئاسة الهند للمجموعة والتي بدأت اعتبارا من أول ديسمبر 2022، وتأكيده أن حضور مصر يمثل إضافة قوية لاجتماعات المجموعة.
وتُعد الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى أحد المؤشرات المهمة على ما وصلت إليه العلاقات المصرية الهندية من متانة وقوة خلال السنوات القليلة الماضية. فعلى الجانب المصري، تعتبر الزيارة الأخيرة هي الثالثة للرئيس عبدالفتاح السيسي للهند منذ توليه الرئاسة في عام 2014. حيث جاءت الزيارة الأولى في أكتوبر 2015، للمشاركة بالقمة الثالثة لمنتدى الهند - أفريقيا، فيما كانت الزيارة الثانية في أغسطس 2016، ضمن جولة آسيوية شملت أيضا الصين. كما قام الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بزيارة إلى الهند، خلال الفترة من 9-13 يناير الجاري، بهدف بحث تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وجذب الاستثمارات الهندية للسوق المصرية.
وعلى الجانب الهندي، قام العديد من المسئولين الهنود بزيارة مصر خلال الفترة الأخيرة، ومنهم راجناث سينغ، وزير الدفاع، والدكتور سوبرامانيام جايشانكار وزير الخارجية، وبوبندر ياداف وزير البيئة والغابات وتغير المُناخ.
واتصالا بما سبق، ترتبط مصر والهند بعلاقات اقتصادية قوية منذ تأسيس العلاقات بين الدولتين، أحد أبرز مؤشراتها يتمثل في توقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تؤطر للإطار التعاقدي في مجال التعاون الاقتصادي بينهما. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، اتفاق إنشاء لجنة مشتركة بين البلدين 1983، اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة 1997، مذكرة تفاهم بشأن التعاون في المجال السياحي 1997، مذكرة تفاهم بين مصر والهند لإنشاء محطة ميناء الجميل لاستقبال الإيثيلين في يونيو 2013، تبادل وثائق اتفاق التعاون في مجال النقل البحري 2016، مذكرة تفاهم في مجال الكابلات البحرية 2018، علاوة على اتفاقية تصنيع مشترك ونقل تقنية الأسلحة 2021.
ومن هنا، فقد تمخضت زيارة الرئيس السيسي للهند عن نتائج مثمرة وقوية في إطار سعي مصر إلى تنويع شركائها التجاريين، خاصة في ظل ما تشهده كافة دول العالم من توترات سياسية وصراعات وحروب مع أزمات سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار العالمية للغذاء والوقود، مما يزيد من تفاقم الأوضاع المعيشية في كافة الدول الفقيرة والنامية، كما كان للزيارة ردود أفعال كبيرة في الصحف الهندية.
فعلى مستوى نتائج الزيارة، يمكن القول إن أحد أهم تلك النتائج، يتمثل في اتفاق الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، على رفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى "الشراكة الاستراتيجية" في مختلف القطاعات، من أجل تعظيم المصالح المشتركة وسط التحديات العالمية الحالية، وذلك في العديد من المجالات وعلى رأسها الزراعة، والتعليم العالي، وصناعة الكيماويات والأسمدة والأدوية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والأمن السيبراني، بالإضافة إلى التعاون في مجال الدفاع.
وثمة مساعي من جانب كل من مصر والهند إلى زيادة حجم التبادل التجاري بينهما لتبلغ قيمته 12 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة مقابل 7.26 مليارات دولار في الوقت الحالي. وعلى مستوى الاستثمارات، فإن الجانب المصري يدرس إمكانية تخصيص مساحة أرض خاصة للصناعات الهندية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وذلك لتعزيز القيمة الحالية لاستثمارات الهند في مصر والبالغة 3.15 مليارات دولار. خاصة في ضوء تأكيد الرئيس عبدالفتاح السيسي وجود فرصة كبيرة للاستثمارات الهندية في الوقت الحالي للتواجد في السوق المصرية للاستفادة من البنية التحتية الحديثة في مصر وللنفاذ منها إلى الأسواق الأفريقية، خاصةً في ضوء اتفاقيات التجارة الحرة التي تجمع مصر مع مختلف التكتلات الاقتصادية الإقليمية.
وعلى المستوى السياسي، فقد أكدت الدولتان التزامهما بالتعددية، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، والقيم التأسيسية لحركة عدم الانحياز، واحترام سيادة وسلامة أراضي جميع الدول.
وعلى مستوى الاهتمام الإعلامي والاحتفاء الرسمي رفيع المستوى بالزيارة، فقد أبرزت وسائل الإعلام الهندية والحكومة الهندية زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي واختياره كضيف شرف رئيسي لاحتفالات جمهورية الهند من بين قادة العالم في الاحتفالات الهندية. فيما أبرزت العديد من الصحف زيارة الرئيس السيسي كأول رئيس مصري يحل ضيفا على احتفالات الهند، كما وصفت صحيفة "نيوز بوست" الهندية الرئيس السيسي بأنه قائد عسكري شجاع أنقذ بلده من الإرهاب.. بعد أن أنقذ مصر ومحيطها العربي من مخططات نشر الفوضى. فيما أشارت صحيفة "هندو إكسبرس" إلى أن الهند ومصر تتمتعان بعلاقات قوية تتميز بروابط تاريخية وحضارية وثقافية وتجارية وأن هناك روابط عميقة بين شعبي البلدين. وفي الوقت نفسه وصفت العديد من الصحف والمجلات الزيارة بأنها تاريخية. وعلى المستوى الرسمي، أصدرت الحكومة الهندية طابعا تذكاريا بمناسبة مرور 75 عاما على تدشين العلاقات المصرية الهندية.
وفي الختام، يمكن القول إن زيارة الرئيس السيسي للهند، بناء على دعوة سيادته للمشاركة في الاحتفالات بيوم الجمهورية الهندية، تعكس ما تحظى به مصر من ثقل ومكانة كبيرة لدى الهند، انطلاقا من موقع مصر وثقلها الدولي كمنفذ يمكن من خلاله للعديد من دول العالم الوصول إلى المنطقة العربية وأوروبا وأفريقيا، وهو ما يتيح للدولتين تحقيق مكاسب عديدة سياسية واقتصادية، ولاسيما في ضوء ترقية العلاقات بينهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وهو ما يؤكد أن هذه العلاقات ينتظرها مستقبل واعد.
شكرا لجمهورية الهند على استضافتها لمصر وزعيمها وقواتها المسلحة.