رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

كنت مطمئنا أن القضاء المصرى العادل سينصف الفنان رشوان توفيق ويؤكد حق الأب فى التصرف فى ملكه طالما كان على قيد الحياة، فلا حق لإبن فى ملك والده بعد بلوغه واستقلاله بحياته إلا ما حصل عليه من الأب برضا نفس وطيب خاطر.. وهذا ما أقره القضاء المصرى الذى يستمد أحكامه من تعاليم الشريعة الإسلامية خاصة ما يتعلق منها بحقوق الآباء والأبناء.

حكم المحكمة برفض طعن إبنة الفنان توفيق رشوان فى تصرفه فى بعض ممتلكاته التى منحها لها واحتفظ بحق إدارتها والتصرف فيها طمأن كثيرا من الآباء الذين يوزعون ممتلكاتهم على أولادهم حال حياتهم ليضمنوا عدم نزاعهم فى المستقبل مع حق الأب فى إدارة هذه الأموال والممتلكات فيما تبقى من حياته، وهو تصرف أقره الفقهاء وأكدوا أن ما يقدمه الآباء للأبناء حال حياتهم يتم على سبيل الهبة ومن حق الأب أن يرجع فى هبته شريطة أن يكون عادلا بين أبنائه، وألا يكون الإبن قد تصرف فيها.

قصة الفنان رشوان توفيق مع إبنته والتى شغلت الإعلام والسوشيال ميديا منذ شهور لفترة من الوقت وصاحبتها ردود فعل غاضبة تجاه إبنة تقاضى والدها فى المحكمة، وتطالب ببطلان تصرفه على بعض ممتلكاته قد أسدل عليها الستار منذ يومين بما يطمئن كل الآباء الى أن القضاء المصرى لا يمكن أن يقر تصرفا فيه عقوق وجحود وعدم بر بالوالدين ونكران لجميلهم واعتراف بفضلهم، ويعطى درسا لكل إبن يحاول أن يقف أمام والده فى ساحة القضاء لينتزع منه بعض ممتلكاته دون إرادة ورضا تام منه.

**

بقى أن نؤكد ضرورة أن يهتدى الآباء والأمهات فيما يتعلق بالتصرفات المالية مع أولادهم حال حياتهم بهدى الدين، وقد أكد علماء الشرع أن توزيع الآباء والأمهات لثرواتهم حال حياتهم على أولادهم قد يكون مقبولا من الناحية الشرعية لو كان لذلك ما يبرره بشرط الا يحتوي هذا التصرف على مخالفة شرعية، كأن يوزع الإنسان ثروته على بناته لكي يحرم ورثة آخرين، أو يوزع ثروته على أولاده لكي يغدق على بعضهم ويضن على البعض الآخر، أو يخص الذكور بالممتلكات ويحرم الإناث.. والأمر هنا يرجع إلى النية، فلو كان تصرف الأب بريئا ومقصده استمرار علاقة المودة والرحمة بين أبنائه، وعدم حدوث خلاف بينهم بعد رحيله على تركته، وكان عادلا ومنصفا ومحققا رضا الجميع؛ كان له ذلك ولا لوم عليه ولا مخالفة شرعية في ذلك.. فتصرف الأب هنا مقبول فالمال ماله وله أن يتصرف فيه كيفما يشاء خاصة لو كان أولاده في حاجة إلى المال ليعيشوا حياة كريمة، ويواجهوا متطلبات معيشية تحقق لهم الاستقرار والطمأنينة في حياتهم.. والأب هنا يوزع على سبيل الهبة ولا يوزع تركة.. فتركة الإنسان تكون بعد وفاته.

لكن تظل نصيحة العلماء لكل الآباء هى ترك هذه الأمور لوقتها الطبيعي لتوزع كما شرع الخالق سبحانه في آيتي المواريث فالتوزيع الشرعي يحقق العدالة بين الورثة ويرضى الجميع.

لقد قال علماء الشرع بحق الأبوين فى الرجوع في الهبة أو العطية اذا ما احتاجا إليها لنفسيهما، أو لابن آخر لم ينل حظا من عطايا الأب، أو لتحقيق العدل بين الأبناء.

بعض علماء الشرع يرفضون أن يوزع الأب ثروته على أولاده حال حياته ولا يبقى لنفسه ما يفي بحاجته ويفيض ولهم رؤيتهم فى ذلك، فالإنسان لا يدرك متى ينتهي أجله ويغادر الحياة، ولا كيف سيكون حال أولاده من البر والعقوق بعد أن يوزع عليهم ثروته.. وليس من المقبول شرعا ولا عرفا أن يتخلى الإنسان عن كل ثروته ثم يجلس رهينة لبر اولاده به.. بل الدين والعقل والمنطق يقول أن يعطيهم ما يفي بحاجتهم حال حياته، ويترك باقي ثروته لتوزع عليهم توزيعا شرعيا بعد الرحيل.

لقد قدم الأزهر نصيحته لكل الآباء وأكد أن الأفضل ترك الآباء توزيع ما يمتلكون على ورثتهم الشرعيين لما بعد الوفاة، مع جواز أن يعطى أبناءه عطايا وهبات لمواجهة أعباء الحياة، ولتلبية رغباتهم المشروعة شريطة أن يكون عادلا بينهم، وليس شرطا هنا أن يعطى للذكر مثل حظ الانثيين، فهذا ليس ميراثا، ولكنها عطايا وفقا لحاجة كل إبن.. وعليه أن يراعى العدل بينهم حتى لا يوغر صدور من يحصلون على أقل العطايا.

لذلك فإن ما حدث للفنان القدير من ابنته هو درس وعبرة وعظة لكل الآباء والأمهات، فلا ينبغى أن يترك الأب أو الأم نفسه رهينة لبر أولاده فلا يدري أحد تغير القلوب والنفوس.. وسواء أكان الابن ذكرا أو أنثى فلا أمان لأحد.. فالابن قد تغيره زوجته والإبنة قد يغيرها زوجها، وأحداث الحياة التي نعيشها تؤكد ذلك.

**

بقيت كلمة للأبناء: لا ينبغى تتحول العلاقة المادية مع آبائكم الى هذا الشكل، أو أن يفكر إبنا فى رفع دعوى قضائية ضد والده حتى ولو تصرف الأب فى مال الإبن..

ونذكر الأبناء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الأبناء الذى ذهب يشكو والده:( أنت ومالك لأبيك)، والواقعة معروفة ومشهوره، فقد ذهب إبن يشكو والده للرسول لأنه يتصرف فى بعض ماله، فأرسل الرسول صلوات الله وسلامه عليه للرجل لسؤاله عن شكوى إبنه، فقال له الأب وهو يبكى: يا رسول الله عندما كان صغيرا ضعيفا وأنا قوي، فقيرا وأنا غني، لم أحرمه من المال، والآن تبدل الحال، فصرت أنا الفقير وهو الغني، أنا الضعيف وهو القوي، فيحرمني من ماله، فبكى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال (أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك).

لكن هذا لا يعنى أن يتصرف الأب فى مال الإبن المؤتمن عليه كيفما يشاء، فقد جعل الإسلام لكل من الإبن والأب ذمة مالية مستقلة، فبمجرد أن يكبر الإبن ويتكسب المال بنفسه يصبح المال حقا له وحده، ولو كان الأب عاجزا عن العمل والتكسب وليس لديه مال كان على الإبن نفقة أبيه شرعا بما يفى بحاجته.

الآباء والأبناء فى أمس الحاجة الى الاعتداء بهدى الدين.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة