عيون الشعب
سوف تبقى معركة شرطة الإسماعيلية ضد قوات الاستعمار البريطاني .. أعظم معارك العزة والكرامة فى التاريخ .. ملحمة من الوطنية .. يوم وقف جنود البوليس المصرى باسلحتهم البدائية التى استخدمت مثيلتها فى الحرب العالمية الأولى ( ١٩١٤ _ ١٩١٨ ) وهى عبارة عن بنادق " لى انفيلد " .. فى مواجهة احدث الأسلحة واعتاها دبابات سنتويرن ومدافع الهاوتزر والهاون لقوات الجيش الإنجليزى .. قوات الإمبراطورية البريطانية التى لا تغيب عنها الشمس .. رفض هؤلاء الابطال من رجال الشرطة تسليم مبنى المحافظة للانجليز .. ومعنى استيلاء الجيش البريطانى على مبنى المحافظة .. هو سقوط الإسماعيلية بالكامل فى ايدى المستعمر .. لان هذا المبنى هو أعلى سلطة فى المدينة .. واحتلاله احتلال كامل للمدينة .. من هنا رفض جنود الشرطة الاستسلام .. فالانجليز قرروا احتلال الإسماعيلية .. واخراج رجال الشرطة منها وترحيلهم للقاهرة .. ويبقى السؤال الذى يدق الرؤوس .. لماذا قررت القوات الانجليزية .. احتلال مدينة الإسماعيلية وطرد قوات البوليس المصرى منها .. وحددت يوم ٢٥ يناير ١٩٥٢ لتنفيذ ذلك .. اكتشف الإنجليز التحام ابناء الإسماعيلية من الفدائيين مع رجال البوليس المصرى .. الاكثر من ذلك ان رجال الشرطة .. كانوا يخفون ابناء الإسماعيلية من الفدائيين باسلحتهم فى أقسام الشرطة .. بل ويفرجون عنهم بعد تسليمهم من القوات الانجليزية .. من هنا سطر هؤلاء الابطال اعظم ملحمة وطنية عرفها التاريخ بين الشعب ممثل فى ابناء الإسماعيلية من الفدائيين ورجال الشرطة ممثلين فى جنود بلوكات النظام بالإسماعيلية .. اتسعت عمليات الفدائيين بصورة ارعبت قوات الاحتلال الإنجليزى .. وشهد شهر يناير ١٩٥٢ نشاط مكثف للفدائيين فى الإسماعيلية .. وخرجت القوات الانجليزية تبحث عن الفدائيين واسلحتهم فى كل مكان فى الإسماعيلية والقرى المحيطة بها .. استخدمت أجهزة الكشف عن الألغام للبحث عن الأسلحة المختبئة .. ولكن الفدائيون نجحوا فى تضليل هذه الأجهزة بنثر مسامير وقطع حديدية عديدة .. فى مختلف المناطق المعرضة لمثل هذه الحملات .. أتوقف هنا امام النقيب البطل الشهيد فريد ندا .. الذى وقف مع الفدائيين بكل قوة .. يساعدهم ويخفيهم ويرفض تسليمهم للانجليز .. حتى سقط شهيدا فى اعظم معارك الوطنية والكرامة .. حيث وقف امام قوات الاحتلال الإنجليزى يمنعهم من ملاحقة الفدائيين .. وبدون تردد أصابه الإنجليز ليسقط شهيدا من اجل حرية الوطن .. وأطلقت الداخلية اسمه على مغفر شرطة شارع محمد على تكريما لدوره الوطنى البطولى .. وتتصاعد الأعمال الفدائية .. بتناغم فريد بين الفدائيين ورجال الشرطة .. وفى يوم ١٩ يناير ١٩٥٢ أعلن الجنرال ارسكين قائد القوات البريطانية فى المنطقة .. عزل الإسماعيلية عزلا كاملا ومنع دخول السيارات اليها .. وبدأت حملة تفتيش واسعة عن الفدائيين واسلحتهم .. وفى ليلة ٢٠ يناير ١٩٥٢ قام الاهالى من الرجال والسيدات وحتى الأطفال بنقل أسلحة الفدائيين الى المقابر لاخفائهم عن الإنجليز .. هاجم الإنجليز المقابر واستخدموا الكلاب المدربة .. واستشهد خمسة من الفدائيين الذين كانوا يدافعون عن الأسلحة داخل المقابر .. نشرت جريدة التايمز الانجليزية ان القوات البريطانية عثرت على خمسة آلاف طلقة ومدافع رشاشة وقنابل يدوية .. بالاضافة إلى مخازن أسلحة للفدائيين فى المقابر لم تكتشف بعد .. وجن جنون الإنجليز وفقدوا صوابهم وتساءلوا .. كيف خرجت تلك الكميات الضخمة من الأسلحة والذخيرة من مخازنهم الموجودة فى كامب البمب ونقلها الى المقابر !! .. قررت القوات البريطانية اعلان الأحكام العرفية فى منطقة القناة .. حتى تستطيع الحصول على تفويض رسمى بسلطة محاكمة ومعاقبة الفدائيين .. وطرد قوات البوليس المصرى من الإسماعيلية نهائيا لوقوفهم صفا واحدا مع الفدائيين .. اختارت القوات البريطانية يوم الجمعة ٢٥ يناير ١٩٥٢ .. وهو يوم اجازة .. حيث تكون قوات البوليس وقياداتهم فى استرخاء .. وفى الساعة الثالثة فجرا .. قامت الدبابات والسيارات المدرعة وقوات المظلات المشهورة بالشياطين الحمر .. بحصار مبنى محافظة الإسماعيلية .. الذى تحول الى مبنى قسم اول شرطة الإسماعيلية .. ثم حاليا مبنى مقر مديرية أمن الإسماعيلية .. وقام العميد اكسهام بتسليم انذاره للمقدم شريف العبد ضابط الاتصال المصرى .. لابلاغه للسلطات المصرية .. ان القوات البريطانية ترى ان جنود بلوكات النظام هم سند حقيقى للفدائيين وان هناك تلاحما بينهم .. لذلك اتخذت القيادة البريطانية قرارا بنزع سلاح جنود بلوكات النظام وطردهم من منطقة القناة .. وبدأت معركة المواجهة .. وطالب اكسهام بتسليم الجنود المصريين المحاصرين فى مبنى المحافظة بتسليم اسلحتهم ثم الخروج فى طوابير منتظمة تحت الحراسة الانجليزية الى محطة السكة الحديد .. لترحيلهم الى القاهرة بقطار خاص أعد لذلك .. جاء الإنذار لمدة ساعة واحدة مهلة .. والا ستستعمل القوات البريطانية القوة لتنفيذ هذه المطالب .. رفض الضباط : النقيب مصطفى رفعت والنقيب عبد المسيح مرقص والملازم اول فؤاد الدالى .. الذى اصبح فيما بعد حكمدار مديرية أمن الإسماعيلية .. ( نائب مدير الأمن ) .. وكان القرار الذى اتخذه الجنود والضباط .. القتال حتى الموت .. وان الإنجليز لن يدخلوا مبنى المحافظة الا على جثثهم ..هكذا جاء القرار نابعا من ابناء مصر البسطاء .. من ضباط وجنود يملكون روح الفداء والعزة والكرامة .. بالرغم من علمهم جيدا بعدم التكافؤ .. هذه الروح المصرية التى تبرز عند الازمات والمحن .. واستيقظت الإسماعيلية على دوى المدافع وصوت الرصاص .. وحاول البعض الذهاب لمبنى المحافظة للوقوف جنبا الى جنب مع جنود مصر البواسل .. ولكن القوات البريطانية منعتهم تماما .. حيث الحصار الكامل والمكثف لجميع الشوارع المؤدية للمحافظة .. وهنا قفز البطل سالم القاضى مدير إسعاف الإسماعيلية .. الى سيارة إسعاف وقادها بنفسه وحشر بداخلها بعض الفدائيين واسلحة وذخيرة .. وذهب للمحافظة .. لكن اوقفته القوات البريطانية .. ومنعته من الاقتراب من مبنى المحافظة .. وبسرعة انطلق من امامهم الى مبنى المحافظة .. قبل ان يكتشفوا أمره .. واطلقوا عليه الرصاص .. ليصاب البطل سالم القاضى برصاصة استقرت فى يده .. لتحدث عاهة مستديمة بها .. وكانت هذه الاصابة .. مصدر فخر ومباهاة للبطل سالم القاضى اول مصرى يتولى رئاسة مرفق اسعاف الإسماعيلية .. قال لى سالم القاضى .. ان هذه الاصابة هى اعظم وسام حصل عليه فى حياته .. ووصل بسيارته الى داخل المحافظة .. رغم أنف قوات بريطانيا العظمى .. وفى حوالى الساعة الثانية بعد الظهر .. بعد قتال استمر ٨ ساعات متواصلة .. انتهت اشرف واعظم معركة سجلها التاريخ باحرف بارزة من النور .. بعد ان نفذت ذخيرة ابطال مصر والإسماعيلية من الجنود وتهدم عليهم مبنى المحافظة .. وسقط فى ساحة الشرف والوطنية والبطولة ٥٦ شهيدا .. وتم أسر ٧٩٠ جنديا وضابطا .. وتفرغ سالم القاضى ورجاله فى نقل الجرحى الى المستشفى .. انها حقا ملحمة فريدة بين الشعب والشرطة .. باعتراف القوات البريطانية المستعمرة .. ويكفى ان يقف اكسهام القائد الإنجليزى .. مؤديا التحية العسكرية للنقيب البطل مصطفى رفعت وجنوده العظام .. لحظة خروجهم من مبنى المحافظة .. سوف تعيش معركة الإسماعيلية فى وجداننا مدى الحياة .. رمزا على صلابة وتلاحم الشعب والشرطة .. فهى نموذج لنضال شعب ضد المستعمر الغاشم .. من حق شعب مصر ان يحتفل بأغلى اعياده الوطنية .. " عيد الشرطة " .