رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

لأرض الكنانة رموز دينية ووطنية وعلمية وثقافية ورياضية وسياسية في كافة المجالات والتخصصات صنعوا مجدا سامقا وإبداعا مشهودا،ونقشوا حروفا مضيئة في جدران الثقافة والفكر وخلفوا صفحات مشرقة ولبنات داعمة لركائز الحضارة المصرية المعاصرة.

وفي الأيام القليلة الماضية لا أدري سببا مفهوما للحملة المشؤومة لتشويه رمز ديني من أكبر رموز الوطن، تجسد في الهجوم والتطاول علي الإمام الشيخ الشعراوي رحمه الله من قبل بعض الإعلاميين والنقاد استكمالا لهذا المسلسل السخيف الذي يكتبه نصوصه،و ينسج خطوط حواره ويخرجه رموز العلمانية الخبيثة التي وصلت حد التطرف والجموح، ولا عزاء لأنصار القيم الإنسانية والوطنية!.
فما البطولة في هذا تجديد النقد الحاد ،وهذا التجني ،المبالغة في نقده وتنفيذ أفكاره بصورة سلبية ومسيئة ومستهجنة ،دون مراعاة لأية اعتبارات إنسانية فهو الآن في ذمة الله ،أو اعتبارات أخلاقية وحضارية تستوجب ذكر الراحلين ومنارات الهدي والتنوير الحقيقي بسجاياهم ومناقبهم السمحة الطيبة،وكأننا علي موعد لموسم جديد يتجدد بين الفينة والأخري للتشويه والنيل من العظماء !.

أتصور أن هؤلاء هم أعداء الوطن الجدد،ففي الشدائد والأزمات أصبحوا وأمسوا يستهدفون سكب مزيدا من الزيت علي النار المستعرة، دون حياء أو خجل أو أية مواءمات تستوجب دعم التماسك الوجداني واستقرار المجتمع في ظل هذه الظروف الحرجة وتعدد الأزمات والمستجدات.

لم يكن الإمام الراحل متشددا ولا رجعيا ولا متطرفا بل انتقد كثيرا من أفعال جماعات الإسلام السياسي وانحرافهم عن المنهج الوسطي ،ولو كان الشعراوي متطرفا ،فيا عزيزي كلنا متطرفون!.

لو كان الإمام الجليل متطرفا، بابتسامته العذبة وبشاشته وحلو منطقه وبلاغة كلماته ودقة تعبيراته وفصاحة لغته وبيانه وابداعات خواطره وسمو أخلاقه.. فكلنا متطرفون، ونفخر بهذا التطرف لعله ينجينا من دنيا الكذب والأراجيف.
لكن المحنة منحتنا الفرصة لإدراك الحقائق ومن هم أعداء الوطن، وتمييز الغث ،الثمين ، والطالح ،الصالح ومسافات الأمان بين الحق والباطل!.

لقد كان رحمه الله مثالا للسماحة والحلم والترفق والصبر والاعتدال والوسطية والدعوة إلى الله بالحب والمودة والموعظة الحسنة ،وأنكر علي الكثير من الإسلاميين ودعاة الإسلام السياسي الفظاظة والتشدد والغلظة ،والفهم الخاطيء لمفهوم الحاكمية والجهاد والخصومة مع المجتمع واللجوء لمنهج التغيير بالعنف والانحراف عن المنهج السماوي الوسطي السمح، والذي جسده المصطفى صلي الله عليه وسلم بخلق عظيم وسلوك قويم وحديث عذب غزا العقول قبل القلوب فتوج بجدارة بلقب أعظم العظماء ،وفقا لشهادات مفكري الغرب ومنصفيهم، ومابقي من حكماء!

استحق الشيخ الشعراوي عن جدارة لقب إمام الدعاة المجدد الذى أفحم أعداء الدين بالحجة والدليل والمنطق وما تيسر له من أدلة عقلية ونقلية ورؤية ثاقبة.
كما أثبت للمتنطعين والمتشددين بالعلم وسطية الدين وسماحة الإسلام ،كما ناظر بعض المستشرقين فانتصر ،وأبدع في تفسير كتاب الله بخواطره ،وظلت خواطره وما تزال منارات هداية وبيان.

كما تاب على يديه وأسلم الكثيرون ،وصحح بمؤلفاته مفاهيم مغلوطة وأفكارا اعتنقها من تملك عقولهم الغزو الفكرى عبر سنوات طويلة.

وشهد الجميع من أقصي الأمه إلي أدناها بعلمه الأزهرى الوسطى وأسلوبه المتميز فى الدعوة إلى الله فكان ومايزال خالدا فى قلوبنا وقلوب الأمة العربية والإسلامية بسيرته العطرة وما أضفاه من علم ورؤي عصرية وارشادات استدفع بها الهمم خلد ذكراه ،وما أفاض عليه الله من فيض استرشد به العلماء والسالكين .

في تصوري أن هذه الحملات المتعمدة والهجوم شبه المستدام من وقت لآخر يعكس خواء فكريا لدي هؤلاء ممن يرتدون ثياب وعباءة العلمانية والتغريب ،ولديهم مفاهيم مغلوطة للتنوير والتجديد المتعقل الراشد الذي يهدف للنهوض بالمجتمع فكريا وماديا ، والخروج به من دائرة التخلف، مع الحفاظ علي تراثه الأصيل وحضارته ورموز هويته!.

إن هذه الهجمات الفكرية المغرضة المشبوهة، ظاهرها الرحمة ومن قبلها العذاب، فهي لا تستهدف الرموز الدينية فحسب،وآراء الشيخ الشعراوي من وقت لآخر، بل تحمل تلميحا وأحيانا تصريحا متبجحا بأدبيات قبيحة للتمرد علي القيم الأخلاقية السامية وتعاليم الاسلام وتشكيكا في قيم ومعتقدات المجتمع ،وهذا هو بيت القصيد،ونذر الخطر القادم!.

وأتصور أن موقف الأزهر من فكر الإمام الجليل قد قطع قول كل خطيب وألجم أفواه المتطاولين فكما يقول العالم الجليل د. أسامة الازهري مستشار رئيس الجمهورية: الإمام الشعراوي هو من رموز العلم والوطنية والعطاء المصري لكل العالم العربي والإسلامي، لكن البعض لهم ثأر مع الإمام لسبب مجهول ،مؤكدا أنه عاش واعظا كاتبا وشاعرا،و حمى الناس من التطرف والإرهاب زمنا طويلا.

وأضاف الازهري مستنكرا: منذ خمسين سنة والإمام الشعراوي يملأ الدنيا علما، فما رأينا أحدا أراق قطرة دم، ولا حمل السلاح، ولا صار داعشيا بسبب كلمة سمعها من الشيخ الشعراوي.
كما فند مزاعم إن الإمام ضد الأقباط حيث قال البابا شنوده في رثائه:لقد تأثرنا كثيرا لوفاة صاحب الفضيلة الشيخ متولي الشعراوي، فهو رجل عالم متبحر في علمه، وهو أيضا محبوب من الجميع، وموضع ثقة من كثيرين في كل ما يبديه من رأي"

وعلاوة علي النفضة الشعبية علي مختلف شبكات التواصل الرافضة لهذه الإساءات استهجن عدد كبير من أعضاء مجلس النواب سلوك هؤلاء المأجورين المرجفين
وقدم النائب كريم طلعت السادات، وبصورة عاجلة طلب إحاطة إلي رئيس المجلس، موجه للدكتور مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء، و د.نيفين الكيلاني وزيرة الثقافة، ورئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، بشأن التطاول الممنهج علي الشيخ الشعراوي رحمه الله، باعتباره أحد الرموز الوطنية وقيمة وقامة دينية يعتز بها العرب والمسلمون، وهو أمر غير مقبول ، فهو علامة مضيئة في سماء العلم والفلسفة والدين وتاريخ أمتنا الإسلامية والعربية، ويمثل نموذجا مشرفا من أئمة العلم والهدي والدين علي طراز أئمة الإسلام الكبار، ومن أعظم ثمرات الأزهر الشريف خلال القرن الماضي.

وطالب بوضع حد لهذا الأمر عن طريق تجريم الإساءة للشخصيات العامة حتي لا نري مثل هذه الوقائع ضد رموزنا وعلمائنا.

كما أشار إلي المواقف الوطنية للشيخ الشعراوي كمحب غيور علي وطنه في كل المواقف والأزمات ، لعل أشهرها كلمته العظيمة المعروفة عمن يصف مصر بأنها أمة كافرة !..

وأتصور أن هناك دورا مهما للمجلس الأعلى للإعلام لوقف هذه المهاترات والتجاوزات علي بعض الفضائيات والتي تفتقد الموضوعية ،وتحويل هؤلاء للتحقيق والنظر في وقف برامجهم وفقا للأكواد المهنية التي تمنع التشكيك في منظومة القيم الدينية والأخلاقية والسخرية من الرموز والمعتقدات الدينية، بهذه الفجاجة.

وسيبقي الأمام شامخا حيا في القلوب ووجدان كل المصريين وكل من تركوا بصمات وأثرا صالحا في تاريخ أرض الكنانة.
وصدق الرسول الكريم حين وصف المشهد ،وأحوال زمن "الرويبضة " ،عن أبوهريرة، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة)، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة !!.

وحين سأل الإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: ألا يزعجك تطاول البعض عليك وانتقادهم لك؟.
قال: ما أحوجني إلي من ينير لي الطريق لو كنت مخطئنا، لكني بحثت فيما يقولون فلم أجد فيه ما يهديني إلي طريق الحق ،لذا أقول لكل من يسألني عنهم (دعهم في طغيانهم يعمهون)، وأسأل الله لهم الهداية والصلاح.
رحم الله فضيلة الإمام وجميع رموز الوطن.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة