رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

فى أوقات الرخاء والشدة علينا أن نتحصن بتعاليم الدين، ونتسلح بها لمواجهة كل الظروف الصعبة التى نعيشها.. ومن الواجبات الدينية التي يحض عليها الدين هنا ولا ينبغى أن نغفل عنها خاصة فى أوقات الحاجة، وتفاقم مشكلة الغلاء إعانة المحتاجين، وتفريج كرب المكروبين، والمساهمة فى توفير سبل العيش الكريم لأصحاب الدخول البسيطة.. وقد شرع الإسلام لتحقيق هذه الأهداف الإنسانية النبيلة – الى جانب فريضة الزكاة- الصدقات التطوعية، وهى عطاء إنسانى حبب الله فيه كل عباده، وجعله من القربات التي يتقرب بفعلها الإنسان الى خالقه.

وإذا كانت الزكاة فريضة قررها الخالق عز وجل على كل مال بلغ النصاب، يدفعها الإنسان لمستحقيها الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، وحذر صلى الله عليه وسلم من الجحود بها فقال: "مانع الزكاة يوم القيامة في النار" وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: "ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين" أي: انزل الله عليهم القحط وأصابهم بالفقر.. فإن الصدقات التطوعية من فضائل الأعمال التى يجب أن يحرص عليها هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالرزق الوفير، ويتطلعون إلى كامل الأجر والثواب، وقد سئل رسول الله ﷺ: أى الصدقة أعظم أجرا؟ فقَال: "أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى..." أي أعظم الصدقات أجرا مال تخرجه للفقراء وأصحاب الحاجات وأنت فى حاجة إليه، وتقدمه لفقير وأنت تخشى أن يصيبك الفقر الذى أصابه، وترجو الغنى وزيادة المال... هذه عند الله أعظم الصدقات. بالإضافة إلى أن تفقد أحوال الأهل والعمال البسطاء والجيران من كمال الإيمان؛ فقد قال ﷺ: " ما آمن بى من بات شبعان وجاره جائع الى جنبه وهو يعلم به".

لذلك يؤكد علماء الفتوى أن التصدق في ظل الظروف الراهنة سبب لدفع البلاء، وكشف الضر، وسعة الرزق؛ قال ﷺ: " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم"، كما أن الصدقة الخالصة لوجه الله سبب كذلك لنيل رضا الله سبحانه، وتنزل رحماته، وحفظ من يتصدق من البلاءات والأمراض وسوء الخاتمة؛ يقول ﷺ: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، و الصدقةُ خِفيا تطفيء غضب الرب"

****

لذلك يجب أن يتسابق كل القادرين ماديا لرعاية أصحاب الحاجات خاصة فى ظل الظروف الراهنة.. ولا ينبغى أن ننساق وراء من يرددون أن أصحاب الحاجات أولى بهم الدولة، فالدولة تنفق من خزينتها العامة لرعاية أصحاب الحاجات بقدر ما تستطيع ولا ينبغى أن ننكر ذلك.. ودعم ورعاية الفقراء في كل دول العالم ليس مسئولية الدولة وحدها، بل هو مسئولية القادرين ماديا، وقراءة قصص العطاء الإنسانى للأثرياء فى أكثر دول العالم ثراء تفرض على كثير من أثريائنا الشعور بالتقصير والبخل بما آتاهم الله من فضله، فهناك مليارديرات تبرعوا بمعظم ثرواتهم أو تخلوا عن أجزاء منها لصالح الفقراء فى بلادهم وفى بلاد أخرى.. وكلنا أو معظمنا سمع وقرأ عن الملياردير الأمريكى "بل جيتس" الذي ترك امبراطوريته الكبري"ميكروسوفت" ليتفرغ مع زوجته للعمل الخيري والإنساني من ماله الخاص وأموال داعمين آخرين.. وغيره كثيرون فى مختلف دول العالم.

علينا أن ندرك أن الفقر مشكلة عالمية وفي كل دول العالم- غنيها وفقيرها - فقراء يحتاجون فعلا الي المساعدة.. وفي مصر فقراء يحتاجون الي دعم الدولة ودعم أهل الخير.. وهنا نتساءل: أين دور أثرياء مصر من رجال الأعمال وكبار الفنانين ولاعبي كرة القدم وغيرهم ممن يحصدون الملايين وربما المليارات سنويا في دعم الفقراء وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم؟

ولماذا يبخل أثرياؤنا ببعض ما أنعم الله عليهم به وكله من خيرات هذا الوطن وعرق وكفاح شعبه، فنراهم ينفقون ببذخ وسفه علي حياتهم الخاصة وسهراتهم ورحلاتهم الترفيهية في الداخل والخارج دون أن يقدموا عطاء إنسانيا وخيرا واضحا للفقراء؟

ولماذا لا يشعر أغنياؤنا بالغيرة من أقرانهم في العالم الذين يخصصون أجزاء كبيرة من ثرواتهم لدعم ورعاية الفقراء والمرضي وأصحاب الحاجات؟

*****

كل عام نقرأ قائمة طويلة بأثرياء مصر وحجم ما يمتلكون من أموال وشركات ومشروعات تنشرها مجلة (فوربس) المعنية بشئون المال ورجال الأعمال.. وما خفي عن هذه المجلة هو الأكثر والأضخم، فمصر ليس بلدا فقيرا وما يملكه قلة من أغنيائها يفوق ما يمتلكه الأثرياء في دول تتمتع بوضع اقتصادي أفضل.. ومع ذلك نشعر بالصدمة عندما نحاول التعرف علي حجم العطاء الخيري والإنساني لأثريائنا.

نعم.. نحن بلد يعاني من مشكلات اقتصادية مزمنة تنعكس علي محدودي الدخل ويترتب علي وضعنا الاقتصادي الصعب مشكلات اجتماعية كثيرة لبعض الفئات.. لكن لدينا عددا كبيرا من المليارديرات الذين يتزايدون وتنمو ثرواتهم كل عام ربما بشكل يفوق تنامي ثروات أقرانهم في مجتمعات أخري تعيش أوضاعا اقتصادية أفضل.. وهؤلاء يجب أن يقوموا بواجبهم لمساعدة الدولة في توفير مقومات الحياة الكريمة لكل أصحاب الحاجات.. ليس بالدعم المادي أو العيني فقط ولكن بتوفير فرص العمل للعاطلين حتي يتحولوا من مستهلكين الي منتجين.

لقد كفل الإسلام حياة كريمة لكل أصحاب الحاجات بما فرضه علي الأغنياء من زكوات وما حثهم عليه من صدقات تطوعية ووقف خيري.. لكن نشعر بالأسف والخجل عندما نجد أثرياء لا يدينون بالإسلام ولا توجد في عقائدهم فرائض مالية يقدمون عطاء إنسانيا مبهرا يفوق كثيرا هؤلاء الذين يخاطبهم الحق سبحانه وتعالي بقوله:" وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم".

يجب أن يراجع أثرياؤنا مواقفهم وأن يتوبوا عن رذيلة البخل علي الفقراء أو المتاجرة بالأعمال الإنسانية وعليهم أن يعلموا أن الله يكافيء علي العطاء الذي تصاحبه نية صادقة وليس دعاية كاذبة.

وهنا لا ينبغي أن يمن علينا الأثرياء ورجال الأعمال الذين كونوا ثرواتهم من خيرات هذا الوطن وحصلوا في عصور سابقة علي مساحات شاسعة من الأراضي ومعها بعض شركات القطاع العام بالضرائب التي يدفعونها لخزينة الدولة.. فما يقدمون من ضرائب لا يتناسب أبدا مع حجم أموالهم ومكاسبهم السنوية حيث تظل مصر هي الأكثر ربحا للتجار والمستثمرين ورجال الأعمال فى العالم.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة