رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

يبدو أن جعبة العام 2022، مازالت حُبلى بالعديد من الأحداث الهامة والخطيرة التي لن تقتصر آثارها على عامنا هذا ، وإنما ستمتد أيضا إلى العام القادم وربما الأعوام التالية له. فبعد أن شهدت بدايته الحرب الروسية – الأوكرانية التي طالت تداعياتها شتى أنحاء العالم، وما تلاها من أزمات التضخم التي طالت الاقتصاد العالمي، وفي خضم القمم المتتالية، العربية - الصينية، والسعودية - الصينية، والخليجية - الصينية، والأمريكية – الأفريقية.. وغيرها. طالعتنا وسائل الإعلام في السادس عشر من ديسمبر الجاري، بنبأ في غاية الأهمية، حيث أقرت الحكومة اليابانية مراجعة سياستها الدفاعية، وذلك بمضاعفة ميزانيتها الدفاعية السنوية وتوحيد قيادتها العسكرية وزيادة مدى صواريخها، وكانت اليابان نشرت لأول مرة إستراتيجيتها للأمن القومي في العام 2013.
وقد شملت التعديلات الدفاعية الجديدة حق القوات اليابانية في شن "ضربات استباقية" ضد دول تعتبرها معادية، غير أن اليابان اشترطت تنفيذ هذه الضربات الاستباقية بثلاثة شروط: الأول، وجود تهديد حتمي لليابان أو لدولة صديقة يقود لتهديد حتمي لليابان. الثاني، عدم وجود وسيلة أخرى لتفادي الضربات التي تعتبر معادية. الثالث، أن يكون الرد بالحد الأدنى الممكن. كما نصت الإستراتيجية على أن القدرات الحالية لليابان لإسقاط صواريخ محتملة قبل سقوطها على أراضي البلاد ليست فعالة بدرجة كافية، لكن أي ضربة استباقية على دولة معادية "لا يمكن السماح بها" بموجب الدستور الياباني ووفق المادة التاسعة منه.
الدستور الياباني والعقيدة الدفاعية:
يتسم الدستور الذي يحكم اليابان بأنه دستور سلمي، إذ تنص المادة التاسعة منه على نبذ الحرب وامتلاك الإمكانات الحربية، كما أنها تمنع اليابان من شن أي حرب، علاوة على عدم السماح لها بتكوين جيش في حد ذاته. ومن المعلوم أن هذا الدستور سطره الاحتلال الأمريكي بعد هزيمة اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية ودخل حيز التنفيذ في عام 1947.
ودائما تذكر الحكومة اليابانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أن مفهوم «نبذ الحرب» الوارد في الدستور يشير فقط إلى العدوان العسكري؛ ولا ينكر على اليابان حقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها ضد كل ما يهدد وجودها. ونفت الحكومة اعتبار قوات الدفاع الذاتي «إمكانات حرب»، وأكدت أنها الحد الأدنى من القدرة اللازمة لليابان كي تدافع عن نفسها. ومن هذا المنطلق تم تمرير تشريعات منذ تسعينيات القرن الماضي تنص على توسيع نطاق مهمة قوات الدفاع الذاتي، وإفساح الطريق أمام مشاركة أكبر لطوكيو في الكثير من عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وفي السنوات الأخيرة، تنامت الأصوات اليابانية المطالبة بتغيير دستور البلاد، حيث نادى رئيس الوزراء السابق شينزو آبي وآخرون من الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم بضرورة تعديل المادة التاسعة منه على أساس أنها لا تتناسب مع الأوضاع الأمنية الحالية.
تنامي المطالبات بزيادة الميزانية الدفاعية
في أبريل الماضي، نشرت دورية "ذا ديبلومات" الأمريكية المتخصصة في الشئون الآسيوية تقريراً حمل عنوان "ميزانية الدفاع اليابانية: مضاعفة أم لا شيء؟".. جاء فيه أن هناك مطالبات في اليابان تدعو إلى مضاعفة الإنفاق الدفاعي من 1 إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، خاصة في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وتم تبرير تلك المطالبات – وفقا للتقرير – بوجود مخاوف لدى الخبراء من أن تتشجع الصين على التصرف بشكل أكثر استفزازا ضد تايوان، علاوة على قرار ألمانيا بزيادة إنفاقها العسكري إلى 100 مليار يورو، والذي كان له دور كبير في دعم هذا الاتجاه لدي طوكيو.
وفي أكتوبر عام 2021، أعلن رئيس الوزراء الياباني الحالي كيشيدا فوميو رفع ميزانية الدفاع، وفي أبريل 2022، نصحت لجنة الأمن القومي التابعة للحزب الليبرالي الحاكم في اليابان إدارة كيشيدا فوميو بزيادة إنفاقها الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي لليابان، وكذا السعي للحصول على زيادة قدرة الهجوم بسبب التهديدات المتزايدة من جانب الصين وكوريا الشمالية وروسيا. فطبقا للدورية المشار إليها، فقد صعدت الصين كقوة عالمية وزادت من الاستفزازات حول جزر سينكاكو التي تسيطر عليها اليابان، وتطالب بها الصين باسم جزر دياويو. فيما كانت كوريا الشمالية تختبر الصواريخ بمعدل ينذر بالخطر، وتشير التقارير الأخيرة إلى أن بيونج يانج قد تكون على وشك استئناف تجارب الأسلحة النووية.
وردا على إعلان رئيس الوزراء الياباني رفع ميزانية الدفاع، أبحرت السفن الحربية الصينية والروسية عبر مضيق تسوجارو في أكتوبر الماضي. وفي عام 2021، سارعت اليابان بإرسال طائرات مقاتلة ردًا على أنشطة الطائرات الصينية، معظمها بالقرب من جزر أوكيناوا وسنكاكوس، بينما تعد الإجراءات الصينية في بحر الصين الشرقي وقرب تايوان من جزر ريوكيو تعني أن اليابان يمكن أن تدخل في صراع في حالة الطوارئ الإقليمية، بالنظر إلى هذه التهديدات الأمنية.
ومن الجدير بالذكر أن الإنفاق العسكري الياباني يحتل حالياً المرتبة السابعة في العالم، على الرغم من أنها حافظت على ميزانيتها الدفاعية بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعتزم اليابان في إطار أكبر مراجعة لسياستها الدفاعية منذ عقود، مضاعفة ميزانيتها الدفاعية السنوية إلى 2%، أي حوالي 43 تريليون ين (315 / 320 مليار دولار) لميزانيات الدفاع على مدى خمس سنوات بداية من السنة المالية 2023، وتحديد هدف زيادة الإنفاق الدفاعي السنوي إلى حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2027، مما يجعلها تحتل المركز الثالث في الانفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
ردود أفعال إقليمية ودولية قوية:
لم يكن من المستغرب في ضوء ما احتوت عليه الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لطوكيو من مضامين خطيرة من جهة، وتحديدها دولا بعينها كمصدر للتهديد ضد أمن وسلامة واستقرار اليابان من جهة أخرى، أن تثير ردود أفعال إقليمية ودولية قوية.
فجمهورية الصين الشعبية وبالنظر إلى كونها الدولة التي تمثل أكبر تحد استراتيجي لليابان، -وفقا لاستراتيجيتها الدفاعية الجديدة-، فقد أثارت هذه الاستراتيجية ، حتى قبل إعلانها الرسمي، استياء الصين التي تتحدث باستمرار عن النزعة العسكرية اليابانية الوحشية في النصف الأول من القرن العشرين، والتي كانت الصين إحدى ضحاياها. ولذا، أبدت بكين معارضة وعدم رضا شديدين إزاء تحديث الوثائق الرئيسية المتعلقة بالدفاع اليابانى، والتى تصف بكين بأنها "أكبر تحد استراتيجى" لطوكيو، وبناء عليه قدمت بكين احتجاجات شديدة لطوكيو. وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانج ون في مؤتمر صحفي في بكين، بأن الصين تحث اليابان على "العمل بناء على الإجماع السياسي بأن البلدين شريكان متعاونان ولا يشكلان تهديدا لبعضهما البعض". مضيفا أن "اليابان تتجاهل الحقائق وتبتعد عن التفاهمات المشتركة وعن التزامها بعلاقات ثنائية جيدة، وتشوه سمعة الصين".
وفي الإطار ذاته، وطبقا لما نشرته وكالة أنباء كيودو اليابانية، أصدرت السفارة الصينية فى طوكيو بيانا، أكدت فيه أن تحرك اليابان "ينحرف بشكل خطير عن الحقائق الأساسية" و"يثير التوترات والمواجهة الإقليمية"، وحثت اليابان على عدم الانغماس في استخدام ما يسمى بالتهديد الصيني للانغماس في توسعها العسكري. وأكد متحدث باسم السفارة أن موقف بكين بشأن جزر سينكاكو التي تسيطر عليها اليابان وتطالب بها بكين في بحر الصين الشرقي، بالإضافة إلى القضايا المتعلقة بتايوان، هو موقف "واضح وحازم"، مشيرا إلى أن اتخاذ الإجراءات ذات الصلة "يقع بالكامل في نطاق سيادة الصين".
أما كوريا الجنوبية واتصالا بالمواقف الإقليمية، فقد بدا لافتا موقفها ، حيث طالبت خارجيتها اليابان بأن تحذف بشكل فوري من وثيقة إستراتيجية الدفاع القومي مزاعمها بخصوص جزر متنازع عليها بين طوكيو وسول، وهي جزر تسمى دوكدو لدى الكوريين الجنوبيين، وتاكيشيما لدى اليابانيين. واعتبرت سول أن ما جاء في تلك الوثيقة بشأن الجزر لا يساعد على بناء شراكة بين البلدين مبنية على نظرة مستقبلية.

أما كوريا الشمالية، وعلى ما يبدو فقد جاء رد فعلها عمليا، حيث أطلقت صاروخين باليستيين صوب البحر قبالة الساحل الشرقي لشبه الجزيرة الكورية، حلقا لمسافة 500 كيلومتر تقريبا، وسقطا خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان. وهو ما يشير إلى أن بيونج يانج سوف تستمر كمصدر تهديد للأمن الياباني اتساقا مع ما جاء في الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لليابان، والتي أشارت إلى أن الأعمال العسكرية لبيونج يانج تشكل "تهديداً خطيراً ووشيكاً لليابان اليوم أكثر من أي وقت مضى".

وفي ظل علاقات الشراكة الاستراتيجية والتحالف العسكري الوثيق بين الولايات المتحدة واليابان، كان من الطبيعي أن تُبدي واشنطن تأييدها للخطة الدفاعية الجديدة لليابان، باعتبارها تهدف إلى تعزيز التحالف العسكري مع الولايات المتحدة. وهو ما عكسته التصريحات الصادرة عن كل من البيت الأبيض الأمريكي، ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، علاوة على مستشار الأمن القومي الأمريكي. حيث أن ما ورد في الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لليابان يتناغم مع ما تضمنته أيضا استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لإدارة الرئيس بايدن، لاسيما نظرتها إلى الصين باعتبارها "التحدي الجيوسياسي الأكثر أهمية لأمريكا"، وهو ما يعني أن الصين تمثل تحديا مشتركا للدولتين ينبغي عليهما العمل معا على مواجهته.
ويصب في هذا الإطار، ما أشارت إليه مقال لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية الشهيرة، من أن المسئولين الأمريكيين يريدون من الدول الآسيوية مساعدتها على كبح صعود الصين، من خلال حجب الدعم المادي والتعاون، أو من خلال الضغط بنشاط على التوسع الصيني. وفي المقابل، ترغب أغلبية دول المحيط الهادئ، من فيتنام إلى الفلبين، الاستمرار في تجارتها القوية مع الصين، أحد أكبر شركائها، مع تلقي الحماية الأمنية، الصريحة أو غير ذلك، والتوازن الإقليمي، من الولايات المتحدة.
وبحسب المجلة، فإن هناك ثلاثة عوامل يمكن أن تجعل الدول الآسيوية تتراجع عن تفضيل الولايات المتحدة لموقف "أكثر عدائية تجاه الصين"، خاصة وأن هناك اتفاقيات عديدة من خلال مبادرة الحزام والطريق. العامل الأول: أن الصين قوية اقتصادياً، وانها لمدة 13 عاماً متواصلة كانت الشريك التجاري الأول لرابطة دول جنوب شرقي آسيا (الآسيان). العامل الثاني: أن الصين تستثمر بمليارات الدولارات في البنية التحتية والتصنيع في بلدان آسيا.أما العامل الثالث: فيتمثل في واردات الصين من اليابان وكوريا الجنوبية من منتجات وسلع وخامات، والتي تُقدر قيمتها بأكثر من 130 مليار دولار.
وفي الحقيقة، فإن الأمر لن يكون سهلا بالنسبة لليابان، حيث أن تشديد موقفها تجاه الصين، يجعلها تواجه مخاطر استراتيجية كبيرة، بالإضافة إلى الخطرين الأمني والعسكري، خاصة وأن اليابان يحدها البحر من جميع الجهات، كما أن الصين هي أكبر قوة بحرية في العالم، مما يعني أن المجال الحيوي الياباني يعتمد بشكل كبير على الصين للوصول إلى الممرات المائية المشتركة مع الصين، من أجل التجارة واستيراد الموارد الحيوية.
نخلص في النهاية إلى أن الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لطوكيو ستُرتب على اليابان التزامات عسكرية جديدة، داخليا من خلال زيادة ميزانيتها الدفاعية وتوجيه المزيد من الموارد نحو المجهود الحربي، في حالة إقدامها على شن ضربات استباقية خارج حدودها. وخارجيا عبر تنامي مظاهر عسكرة البيئة الأمنية الإقليمية المحيطة باليابان في منطقة آسيا، واحتمالية اتجاهها نحو مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار. وعلى الرغم من تركيز اليابان على التهديد الصيني بشكل واضح في هذه الاستراتيجية، فإن العامل الاقتصادي المتمثل في كون اليابان والصين شريكين كبيرين على المستويين الاقتصادي والتجاري، سوف يلعب دورا مهما في خفض حدة التوتر بين البلدين وتغليبهما منطق التعاون والحوار على منطق الصراع والمنافسة.

*المستشار الاعلامي المصري الاسبق بالصين

الخبير بالشأن الصيني والأسيوي

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة