عيون الشعب
أعجبت بأسلوب الكاتب الكبير عمر طاهر فى كتابه البديع " من علم عبد الناصر شرب السجاير " .. اسلوب غير مألوف فى الكتابة .. وهو ما يكشف عن امتلاك عمر طاهر أدوات خاصة فى الكتابة .. تمكنه من تطويع الكلمة للمعنى الذى يريده .. الجديد هذه المرة فى اسلوبه .. سرعة إيقاع الكلمة .. فهو يخطفك مباشرة وبرضاك لما يريد ان يقوله لك .. بدون حشو .. او فزلكة .. وبسرعة ينتقل بك من حدث لآخر يحكيه لك .. وكأنه يشدك أو يسحبك لتجرى مع كلماته .. دون توقف .. لتنهى الكتاب فى اسرع وقت .. وعمر طاهر بذلك يعكس عصر " التيك اواى " .. أو عصر الاستعجال الذى نعيشه .. والرائع ان الكتاب يحكى وقائع وأسرار قد نقرأها لأول مرة .. ولا أريد أن أتحدث عن مضمون الكتاب .. حتى امنحكم فرصة الاستمتاع به .. وايضا كاتبنا الكبير انيس منصور .. يعرف جيدا قيمة الكلمة وتأثيرها ومعناها .. فهو يقول : كل شئ له معنى .. أو يجب ان يكون له معنى .. حتى الكلام الفارغ اذا صدر عن انسان فنحن نفكر فى هذا الذى قال .. بل ونضع صفة أو نصدر حكما .. على هذا الذى نسمعه .. اى اننا فكرنا وحاولنا ان نفهم .. ثم أصدرنا حكما .. ويقول انيس منصور فى مقدمة كتابه " معنى الكلام ! " ان دلالة بعض العبارات يمكن قراءتها من اولها كآخرها مثل عبارة : قلع مركب ببكر معلق .. ويضيف انيس منصور .. ان هناك وجه شبه بين الرئيس السادات ومارلين مونرو .. فهو معجب بالاثنين .. فمارلين مونرو ولدت سنة ١٩٢٦ وماتت سنة ١٩٦٢ ولدت ٢٦ وماتت ٦٢ .. اى ماتت عكس السنة التى ولدت فيها .. وكذلك انور السادات ولد سنة ١٩١٨ ومات ١٩٨١ .. ( ١٨ و ٨١ ) .. يضيف انيس منصور .. انه ظهرت كتب خالية تماما من اية كلمة .. الا امضاء المؤلف .. وهو ما يعنى ان المؤلف يريد ان يقول : ليس عندى ما أقوله .. وبالرغم من ذلك .. فإن العقل لا يستريح الا اذا عرف وفهم .. ووجد المعنى .. ويقول انيس منصور : ان هناك معنى لكل كلمة طبعا ! .. انظروا ماذا قال انيس منصور فى هذا الكتاب " معنى الكلام " الذى اصدره سنة ١٩٩٨ قال : ان الرياضة علم وفن : اى أن لها قواعد واصولا .. ثم هى : اخلاق .. احترام جميع الأطراف لجميع الأطراف .. احترام اللاعب للمتفرج .. احترام المتفرج للحكم .. احترام الحكم للناقد .. واحترام الناقد للجميع .. والغش ممنوع .. فالذى يغش فى اللعب يغش فى حياته .. والذى لا يعرف الشرف لا يعرف الوطنية .. ويقول انيس منصور .. عن الرسام العالمى بيكاسو .. انه رجل ظريف ومحب للحياة والمرح .. يقول عن نفسه : ان هناك اثنين من الناس لا يستطيعان مقاومتى : التاجر والمرأة .. ويضيف انيس منصور .. ان لوحات بيكاسو ستبقى بعده بآلاف السنين .. فالفن أطول عمرا من الفنان ! ويتحدث انيس منصور عن ام كلثوم .. يصفها بأنها ظاهرة فريدة فى تاريخ الغناء العربى والعالمى ايضا .. لأنها بوجودها واستمرارها تتحدى الزمن .. وتتحدى الكسل وتتحدى الاستكانة .. لم تكن قضية مطروحة وإنما قضية مسلم بها .. لا خلاف عليها .. انها منتهى التفاني فى الفن .. وفى الناس .. يرحمها الله .. ويقفز امامى السؤال : هل نحن من الذين يدركون قيمة الكلمة وتأثيرها .. أتوقف أمام قول الحق سبحانه : ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة .. كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء .. تؤتى اكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون .. ( ابراهيم : ٢٤ _ ٢٥ ) _ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ( ابراهيم ٢٦ ) _ ويقول الحق : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ( ابراهيم ٢٧ ) .. تعالوا نتعرف على خطورة الكلمة .. وما تفعله .. تصديقا لحديث رسول الحق صلى الله عليه وسلم .. عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال : قلت يا رسول الله أخبرنا بعمل يدخلني الجنة ويباعدنى عن النار قال ( صلى الله عليه وسلم ) لقد سألت عن عظيم وأنه ليسير على من يسره الله عليه .. ثم قال كف عليك هذا مشيرا الى لسانه .. قلت : يا نبى الله .. وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال : ثكلتك امك يا معاذ .. وهل يكب الناس فى النار على وجوههم .. إلا حصائد ألسنتهم . ( رواه الترمذي ) وقال : حديث حسن صحيح .. هكذا تقود الكلمة ناطقها اما الى الجنة أو النار .. بالاضافة إلى تأثيرها على المتلقي .. إن كلمة طيبة واحدة .. كفيلة بأن تنهى علاقة من الكراهية استمرت طويلا .. لماذا لا نختار الكلمات الجميلة .. التى تبعث على الرضا والحب والتسامح والود .. لماذا دائما يكون رد فعلنا قاسيا مؤذيا .. ان للكلمة سحر عجيب .. قادر على إطفاء نار الغضب فى ثوان .. وتجنب خصام أو صدام قد يطول لسنوات .. بل ويمتد الى أجيال وأجيال .. لماذا ابتعدنا عن استخدام الكلمة الطيبة ؟! لماذا اصبح الكلام الطيب قليل .. بل ونادر .. لماذا أصبحنا نتجاهل بعضنا البعض .. لماذا لا نقول الكلام الذى يسعد الآخر .. لماذا لا نستبعد بل ونلغى من قاموسنا الكلام المؤذى نفسيا ووجدانيا .. ان سحر الكلمة يخترق القلوب .. اما بالبهجة والسرور .. أو بالاحباط والكآبة .. اقول تخيروا كلماتكم .. فإن سحرها يحيى ويميت ..