لوجه الله
من أبرز المصطلحات والمفاهيم التى اختلطت فى أذهان العامة والخاصة مفهوم " التجديد الدينى" حيث لا يزال يصاحبه لغط وسوء فهم لا يتوقف، رغم تأكيد علماء الإسلام الثقات أنه أحد مقومات الإسلام الأساسية، إذا تحققت تحقق الإسلام نظاما فاعلا فى دنيا الناس، وإن تجمدت تجمد وانسحب من مسرح الحياة، واختزل فى طقوس تؤدى فى المساجد أو المقابر، وتمارس على استحياء فى بعض المناسبات، ذلك أن تاريخ الإسلام الخالى من الشوائب يؤكد أن العلاقة بين "التجديد" و"حيوية الإسلام" لم تنقطع فى أى عصر من العصور.
المؤسف والمحزن أن مصطلح "التجديد الدينى" لا يزال مطية لبعض أدعياء التجديد، يستغلونه للترويج لأفكارهم وقناعاتهم والتى هى مجرد اجتهادات قابلة للمناقشة والحوار داخل المجامع الفقهية ومجالس الفقهاء، وليس محلها إطلاقا شاشات الفضائيات حيث يجلس أمامها أصحاب الثقافات والقدرات العقلية المتفاوتة ومعظم من يشاهدونها من البسطاء الذين يتطلعون لمعرفة أحكام الشرع صافية نقية من الخلافات والجدال العقيم الذى يحرص بعض من يتحدثون فى الدين على إبرازه وتجسيده لعامة الناس لوضعهم فى حيرة بين آراء واجتهادات علماء دون أن يأخذ بأيديهم الى رأى راجح يتبعونه ويعملون به.
وهنا أتذكر سؤالا توجهت به الى الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر- رحمه الله- عن رأيه فى سرد الآراء والاجتهادات الفقهية وترك الناس تختار من بين الآراء والاجتهادات ما يطمئن قلبها له- وكان وقتها ذروة الخلاف بين الأزهر ودار الافتاء فى عهد المفتى د.محمد سيد طنطاوى- رحمه الله- فجاء رده يجسد حكمة العالم البصير بأحوال عامة الناس وتفاوت قدراتهم العقلية فى الفهم والادراك حيث قال:" ليست مهمة العالم أو الفقيه أن يستعرض آراء الفقهاء ويترك الناس فى حيرة، بل واجبه بعد تبصيرهم بتعدد الآراء أن يأخذ بأيديهم الى الرأى الراجح الذى يؤيده ويقدم لهم مسوغات هذا التأييد أو يجتهد فى حكم جديد مستخلص من جملة الآراء والاجتهادات ويعرضه على الناس".
لذلك فإن مَنْ يظهرون على شاشات الفضائيات ليرددوا على أسماع الناس أقوال وآراء الفقهاء قديما وحديثا، ويبحثوا فى بطون الكتب الفقهية القديمة عن اجتهادات فردية تخالف ما استقر عليه آراء الفقهاء.. هؤلاء لا علاقة لهم بالتجديد الدينى من قريب أو بعيد.. فالتجديد لا يعنى البحث عن كل ما هو غريب لنقدمه للناس.. التجديد لا يعنى إطلاقا "مسخ الأحكام الشرعية وتجريد العبادات والمعاملات من مقاصدها الشرعية" كما قال العلماء فى مؤتمر التجديد الذى عقده الأزهر مؤخرا، وتبارى فيه نخبة كبيرة من الفقهاء، ليؤكدوا أن هناك فارقا كبيرا بين (التجديد) و(التبديد).
**
التجديد لا يعنى أبدا تبديد الثوابت الدينية ولا تشويه الأحكام أو مسخها وتفريغها من مضامينها ومقاصدها، أو المساس بجوهرها، فالتجديد الصحيح يستهدف غربلة فكر المسلمين، وغربلة ما وصل إلينا من اجتهادات وجهد السابقين، وإنتقاء ما يصلح للعصر وإعمال عقولنا في النصوص الدينية .. فالجمود على الموجود أمر غير مقبول لا من الناحية الدينية ولا من الناحية العقلية ، فنحن في أمس الحاجة إلى تجديد حقيقي في" فكر واجتهادات علماء المسلمين" والتجديد يستهدف تبصير الناس بالحقائق الدينية الصحيحة وتحذيرهم من كل تحريف للأحكام أو إنفلات عن المبادئ والقيم .
لذلك واجب علماء المسلمين "المؤهلين للاجتهاد والتجديد" أن ينطلقوا نحو هذا التجديد بلا مخاوف أو شكوك، يجددون الفكر، بكل ما هو جديد، ويطورون الخطاب الديني حتى يلقى آذانا صاغية وقلوبا واعية، ويمارسون الإجتهاد الفقهي في جسارة وثقة بعيدا عن أدعياء التجديد الذين يتبعون قاعدة (خالف تعرف) وكل ما يشغلهم هو ترديد أسمائهم فى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى حتى ولو كان بما يسيىء إليهم.
التجديد الدينى الصحيح لا يخاف منه أحد لأنه يمثل أحد أبرز مقوماتص= صلاحية الشريعة الاسلامية، فهو عمودها الفقرى، ووسيلتها الى تحقيق المرونة والسعة التى تعد أبرز خصائصها فقانون التجدد أو التغير هو فى الأصل "قانون قرآنى"، فالله سبحانه وتعالى قد أخبرنا فى كتابه الخالد أنه "لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
الذين يصورن الاسلام على أنه دين جامد يحتاج الى تغيير وتجديد وتحديث جهلاء وأغبياء لأن الإسلام فى تجدد وتطور منذ عصر الرسالة، ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هو إمام المجددين وأول من أكد على ضرورة التجديد فى الدين بصورة منتظمة على أيدى النابهين من علماء الأمة عندما قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
**
ينبغى أن يترك الأدعياء أمر تجديد الدين لمن يستطيعون أداء هذه المهمة، وأن يتوقفوا عن المتاجرة بقضية التجديد الدينى، فتجديد الفقه الإسلامى تحديدا يحتاج الى جهود جماعية من مؤسسات فقهية لها أدواتها ووسائلها وقدراتها على المراجعة والتدقيق والتمحيص والترجيح والاختيار.. وليس الى هواة لا يدركون الأدوات الحقيقية للتجديد.. التجديد الدينى لا يعنى إطلاقا البحث عن أحكام مخالفة لما استقر عليه العلماء فى المجامع الفقهية، بل يعنى احترام رأى الأغلبية، ونحن نذكر هؤلاء بقول شاعرنا الكبير حافظ إبراهيم- رحمه الله-:
"رأى الجماعة لا تشقى البلاد به.. رغم الخلاف ورأى الفرد يشقيها".
نعم نحن فى حاجة ماسة الى "تجديد فهم النصوص وفق متطلبات العصر، وتجديد الخطاب الإسلامي بما يتفق مع عقلية وثقافة ووعى المخاطبين"، وهذا التجديد الذى نتطلع إليه في المجال الديني والذى يراه كثير من علماء الأمة ومفكريها "ضرورة لابد منها" لا يمكن أن يتم عن طريق الأدعياء الذين يسعون إلى قلب الحقائق وتزييف المفاهيم وتحريف الكلم عن مواضعه.
التجديد الديني المطلوب يعنى فقط "تجديد فهم النصوص وتجديد الخطاب الديني"، وتجديد الخطاب الديني يتطلب تطوير أساليب الدعوة وتوجيه الجماهير الى هدايات الدين وآدابه وأخلاقه.. كما يعنى تجديد الفهم الرشيد لمقاصد الشرع، وتجديد مناهج التفكير، واستنباط الأحكام من القرآن الكريم والحديث الصحيح، والتعامل مع القضايا والمشكلات المستجدة فى حياتنا الآن في إطار القواعد والأصول الكلية والضوابط الشرعية المستمدة من صحيح الدين.
إبعدوا الدين عن أفكاركم الشيطانية وأهوائكم الشخصية وتصفية الحساب مع مؤسسات لم تستطيعوا تحقيق طموحاتكم من خلالها.. ربنا يهديكم.