رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الصراع بين فرنسا وألمانيا، ليس وليد اللحظة الراهنة، لكنه تاريخي.. فالعداء والانتقام المتبادل بين الجارتين لا يمكن تجنبه بل اصبح راسخا في وجدان شعوب البلدين منذ الحرب الفرنسية البروسية 1870-1871.
واتخذ هذا الصراع اشكالا عسكرية واقتصادية وحتي اجتماعية.. وهدأت الأمور قليلا بعد توحيد العملة الأوروبية، وتقاسم البلدين لعب دور القاطرة الاقتصادية لدول الاتحاد الأوروبي باعتبارهما تملكان اكبر اقتصادين في القارة العجوز..
الا ان الرياح دائما لا تأتي بما تشتهي السفن، وكانت الرياح هذه المرة عاتية وقوية، اقصد هنا الحرب الأوكرانية الروسية، وتجدد الخلاف بين الجانبين بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن انقطاع الغاز الروسي الذي كان يساهم بالجزء الأعظم في نمو الاقتصاد الأوربي بسعر زهيد، لدرجة افتضح معها هشاشة الوضع الاقتصادي في اوروبا وتركها عارية تعاني سقيع الشتاء القارص.. بل ان الازمة امتد لأبعد من ذلك لتصل الي جدوي الاتحاد الأوروبي نفسه اذا كان قد فشل مجتمعا في تأمين احتياجات شعوبه من الدفء.
منذ بداية الازمة كان الدور الأوروبي يعتمد علي ثلاث اتجاهات، فبريطانيا التي غادرت للتو الاتحاد، كانت الأكثر شراسة في مهاجمة روسيا علي حربها في أوكرانيا ، وهي التي قادت تيار التصعيد مع موسكو الي نهايته ، وهي تدرك انها ستكون الأقل ضررا من أي عقوبات روسية، وان دول الاتحاد ستكون هي وحدها في مواجهة غضب الدب الروسي.. وقد كان بالفعل!
وبينما تحلت المانيا بشيء من الحكمة وفضلت مسك العصا من الوسط، فيما فضلت فرنسا لعب دور الوسيط المحايد لروسيا.. لكن كالعادة كان هناك الضغط الأمريكي الذي خلط الأوراق، وترك الجميع في فوضي امام عنصر الزمن خاصة باريس وبرلين باعتبارهما قطبي التحاد الأوروبي وأكبر المتضررين فيه، ولم يعد خافيا حجم الازمة التي تمر بها علاقات البلدين وتداعياتها ليس فقط علي الاتحاد الأوروبي ككيان اقتصادي وسياسي، لكن علي أوضاعهما الداخلية.
الان اي اجتماع بين حكومتي ألمانيا وفرنسا أصبح غير مثمر وغير ذي أهمية خاصة، وبات رمزيا بالدرجة الأولى، وجاء تأجيل اجتماع القمة الأوروبية هذا العام إلى بداية العام المقبل 2023، ليزيح أي شك على وجود خلافات عميقة بين باريس وبرلين قد تكون بداية فرط عقد الاتحاد الأوروبي والعودة إلى بناء علاقات فردية للدول الأوروبية مع دول العالم، وتنتهي معه فكرة أن التكتل القوي يكون مفاوض قوي على كافة الصعد.
ويبدو أن كل من ألمانيا وفرنسا يفضلان السير في طريق منفرد، حيث أقرت برلين أخيراً حزمة مساعدات قيمتها (200) مليار يورو لمواجهة ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، دون إخطار باريس بهذا الخطوة الألمانية، الأمر الذي أثار حفيظة باريس، على أنها قد تشوه وتؤثر على المنافسة في السوق، فضلاً عن ذلك وقعت ألمانيا على هامش مؤتمر حلف الناتو الأخير مع (14) دولة أوروبية أخرى، من دون فرنسا، على مشروع مشترك للدفاع الجوي أطلق عليه اسم "مبادرة درع السماء"، وذلك رغم أن فرنسا تعمل مع إيطاليا على تطوير مشروع مظلة مضادة للصواريخ باسم "مامبا". وأبعد من ذلك قال ماكرون: "ليس جيدا لألمانيا ولا لأوروبا أن تعزل ألمانيا نفسها وأنه ينتظر من ألمانيا المزيد من الاندماج الأوروبي".
الأزمة بين ألمانيا وفرنسا مرشحة للتصعيد، في ظل تجرؤ دول ذات وزن سياسي واقتصادي محدود عليهما كبولندا ودول البلطيق بعد ان شككوا بالدور القيادي للقطبين الفرنسي والألماني في إطار الاتحاد الأوروبي، بل ان بقاء أوروبا الجيوسياسية التي أقيمت على أنقاض الحرب العالمية الثانية، أصبح محل شك نظرا لما تعتريها من اهتزازات قد لا يتضح مداها او تداعياتها في المستقبل المنظور، فهل كانت تلك رؤية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الحرب الأوكرانية تتركز في اما روسيا وأوروبا معا، او روسيا وأوروبا غير الموحدة؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة