لوجه الله
من حق قطر علينا أن نقدم لها التحية على احتفاظها بهويتها العربية الإسلامية، ورفضها الانصياع لضغوط بعض المسئولين فى المنتخبات الكروية الأوروبية، لدعم ومساندة الخارجين على سنن الله فى خلقه.. فلا شك أن نجاح قطر فى إقناع الاتحاد الدولى بعدم حمل الفرق الأوروبية لشارة المثليين يؤكد جدارتها بتنظيم بطولة دولية بحجم كأس العالم، لتبعث برسالة واضحة لكل من شكك فى هويتها وقدرتها على التصدى للضغوط الدولية، بأنها قادرة على التنظيم، وقادرة على الاحتفاظ بهويتها الوطنية، وهوية البيئة العربية الإسلامية التى تنتمى إليها.
عندما أسند الاتحاد الدولى مهمة تنظيم كأس العالم لدولة قطر سخر الكثيرون من الاتحاد الدولى.. إذ كيف يسند مهمة استضافة بطولة كبيرة مثل هذه لدولة صغيرة المساحة وعدد السكان، ولا تمتلك منشآت رياضية تستوعب البطولة ومنافساتها، ولكن قطر صمدت وأصرت على أن تؤكد للجميع أن هذه الإمارة الصغيرة فى المساحة وعدد السكان لديها إمكانات كبيرة، ولديها القدرة على أن تحافظ على هويتها، وتفرض على من تستضيفهم على أرضها أن يحترموا خصوصياتها الدينية والثقافية، فانفقت قطر ما لم تنفقه الدول الكبرى على الاستعداد لبطولة كأس العالم، وبدا حرص القطريين على حماية هويتهم العربية الإسلامية واضحا منذ البداية.. لذلك وجدت قطر الدعم والمساندة من الدول العربية والإسلامية على المستوى الرسمى والشعبى، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعى فى الدول العربية برسائل الدعم والإشادة بقطر، وحرصها على هويتها الدينية والثقافية خلال تنظيم بطولة كأس العالم، ونبض الجماهير دائما هو نبض صادق يجسد إرادة حرة بعيدة عن أية ضغوط أو أدوات تأثير من هنا أو هناك.
**
كل ما يحيط بنا فى عالم اليوم يؤكد أن الدول العربية "قادرة" على التأثير فى المجتمع الدولى، وتستطيع فرض احترامها على الجميع، وقادرة على الدفاع عن هويتها العربية الإسلامية.. لذلك لا ينبغى أن نستجيب أو نضعف أمام أية ضغوط من هنا أو هناك.. وما فعلته مصر خلال فعاليات مؤتمر المناخ يؤكد إرادتها الحرة وعدم استجابتها لضغوط من هنا أو هناك لإطلاق سراح بعض المحبوسين فيها على ذمة قضايا يؤكد أننا نعيش فى عصر جديد.. وما فعلته المملكة العربية السعودية فى رفضها لتوظيف ثروتها النفطية لدعم جناح معين فى صراع الغرب مع روسيا بعد انطلاق الحرب الروسية فى أوكرانيا، يؤكد أننا أمام سياسة سعودية جديدة، تتبنى مواقف وساسة دولية متوازنة وتستطيع أن تدافع عن مواقفها.. وها هى قطر تؤكد من خلال بطولة كروية دولية تجذب أنظار واهتمام شعوب العالم أنها قادرة على فرض هويتها العربية الإسلامية على تلك البطولة التى تستضيفها على أرضها.
هذه السياسات العربية الجديدة تحظى بكل الدعم والمساندة من الجماهير العربية فى كل مكان، فنحن أمة عاشت حقبة طويلة من الزمن منزوعة الإرادة ومواقفها كانت تحددها سياسات ومواقف الدول الكبرى، وقد آن الأون لكى ننفض هذا الغبار من فوق رؤسنا لنعيش فى عالم اليوم بإرادتنا الحرة، ولا نخضع لسياسة أو قرار يصدر من هنا أو هناك يمثل وصاية علينا.
كل دولة من دول العالم تبحث عن مصالح شعوبها، ومن حق الدول العربية أن تقبل أو ترفض مواقف الدول الكبرى، ولو وجدت تلك الدول التى تحاول فرض هيمنتها على القرار العربى موقفا عربيا جماعيا لتغيرت الكثير من السياسات الدولية تجاه العرب وقضاياهم فى عالم اليوم، فالدول العربية مجتمعة (تستطيع) أن تفعل الكثير، ومناخ العلاقات الدولية فى السنوات القادمة يسمح للعرب أن يكونوا صناعا للقرارات والمواقف الدولية المساندة لحقوق الشعوب المقهورة.. والبداية من الاستجابة لقول الحق سبحانه:" واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" وقوله عز وجل:" وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
الدول العربية مجتمعة تستطيع أن تفرض إرادتها على العالم، وأن تسهم فى صنع قراراته ومواقفة، بعد أن عاشت لعقود من الزمن مجرد مستهلك للقرارات الدولية التى لا يحترمها ولا يلتزم بها إلا الدول العربية.
بالفعل.. نحن فى حاجة الى عالم عربى جديد.. عالم تدافع فيه الدول العربية عن هويتها ومصالح شعوبها بكل قوة، ولا ترضخ فيه لضغوط من هنا أو هناك.. عالم يسود فيه الحق والعدل ويتوقف فيه الظلم والعدوان على شعوب عربية تعانى من تبعات المواقف الدولية الظالمة.. عالم يشعر كل مواطن عربى بأمل جديد فى الاستفادة بنصيبه فى ثروات وطنه وعدم السطو عليها من آخرين فى الشرق أو الغرب.. عالم يشعر فيه كل مواطن عربى بكرامته وسط شعوب العالم.
الدول العربية مجتمعة تستطيع أن تغير موازين السياسة الدولية لتناصر حقوق الشعب الفلسطينى فى استعادة أرضه المغتصبة ووقف العدوان الهمجى من قوات الاحتلال الصهيونى ليعيش الفلسطينيون على أرضهم بكل حرية وكرامة.
هذه لم تعد أحلاما.. بل آفاق للمستقبل، فالعالم يتغير بالفعل، وعلينا أن نستغل الفرصة لنؤكد للعالم أننا قادرون على الدفاع عن مصالحنا وقادرون على الدفاع عن هويتنا، وقادرون على الحفاظ على كرامتنا، وقادرون على حماية ثروات أوطاننا.
**
ما فعلته مصر فى المؤتمر الدولى للمناخ.. وما فعلته السعودية فى مواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية فى مشكلة الطاقة.. وما تفعلته قطر الآن فى المونديال.. مجرد نماذج أو بدايات لمواقف عربية أكثر قوة فى مواجهة كل من يحاول سلب إرادتنا، أو فرض رؤيته علينا.. ونحن فى انتظار المزيد من تلك المواقف.. وعلى صناع القرارات فى الدول العربية أن يطمئنوا الى أن الشعوب العربية مساندة وداعمة لهم، فكل العرب يتطلعون الى أن يعيشوا فى عالم اليوم بكل حرية وكرامة، وأن تكون لبلادهم كلمة فى صناعة السياسة الدولية.