لوجه الله
جاء قرار إنشاء "المجلس الأعلى للاستثمار برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسى ليكون بارقة أمل جديدة لدفع النشاط الاستثمارى فى مصر واستغلال إمكاناتنا الاقتصادية والخدمية بشكل أفضل يحقق المكاسب الاقتصادية التى تليق بقدراتنا ومواردنا وما حبا الله به مصر من موارد ومجالات استثمار متنوعة لم نستفد منها حتى الآن بالشكل الجيد.
ليس من قبيل البكاء على اللبن المسكوب أن نعترف – بكل صراحة- بأننا لم نستطع حتى اليوم استثمار إمكانات وقدرات مصر فى مختلف المجالات لتحقيق مكاسب اقتصادية يتطلع إليها الاقتصاد المصرى فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها معظم دول العالم.. فمصر لا تمتلك الآثار النادرة والأجواء المناسبة لجذب السياح من مختلف دول العالم فحسب.. بل تمتلك مصر العديد من المقومات الجاذبة لكل من يريد أن يتعلم، ويُعالج، ويستثمر، ويقضى وقتا سعيدا فى مصر.
فى مجال التعليم كانت مصر ولا تزال قبلة علمية للكثيرين من إخواننا العرب، والمسلمين من مختلف دول العالم، ولعدد غير قليل من إخواننا الأفارقة الذين يفتخرون بالتعلم فى مصر، وإرسال أبنائهم للتعليم فى مدارسها وجامعاتها.. ليس فى علوم الدين الوسطى المعتدل فحسب، حيث يفتح الأزهر أبواب معاهده وجامعاته لأبناء المسلمين من كل دول العالم، وأصبح له سفراء من الدارسين والمتدربين فيه فى كل قارات الدنيا، وأعدادهم الآن تجاوزت المائة ألف فى مختلف علوم الدين واللغة العربية.. بل فى كل العلوم والمعارف ومنهم الآن رؤساء دول وحكومات ووزاء وشخصيات علمية مرموقة تعترف دوما بفضل الأزهر ومصر عليهم وعلى بلادهم.
مكانة مصر العلمية والسمعة الطيبة لمدارسها ومعاهدها وجامعاتها لم تستثمر حتى اليوم بالشكل المطلوب رغم الثقة فى التعليم المصرى ورغم ثقة إخواننا العرب فى المعلم المصرى فى مختلف مراحل التعليم فى بلادهم.. لكن استقبال أبناء الإخوة العرب للتعلم فى مؤسساتنا التعليمية لا يزال دون تحقيق الطموحات، وتأكيد مكانة مصر كدولة مصدرة للعلم والفكر والثقافة.
عندما بدأت أزمة الحرب الروسية فى أوكرانيا قبل ستة أشهرعرفنا كيف كانت أوكرانيا تجذب الطلاب العرب ليتعلموا فيها، فقد ظهر أكثر من 3000 دارس عربى بجامعات أوكرانيا ثلثهم تقريبا من مصر.. فى الوقت الذى انتشرت فيه الجامعات المصرية الخاصة وتضم مختلف التخصصات الحديثة.. لذلك فإن ملف تعليم الأجانب فى مصر يحتاج بحث وتحقيق وتقديم حوافز دراسية جديدة لكل الأشقاء العرب والأفارقة ليدرسوا فى مصر.
**
فى المجال الصحى تمتلك مصر الإمكانات الطبية التى لا تمتلكها العديد من الدول العربية أو الشرق أوسطية عموما، ورصيدنا الطبى لا يقف عند المنشآت الطبية الحديثة التى انتشرت فى مختلف المحافظات وما بها من أجهزة ومعدات متطورة.. لكن رصيدنا الطبى الحقيقى ينطلق من قدرات أطباء مصر العلمية ومنافستهم لكبار أطباء العالم فى مختلف التخصصات والثقة فى الطبيب المصرى جعلته ينتشر فى مختلف دول العالم.. حتى مستشفيات أكبر الدول الأوروبية الشهيرة فى تقديم الخدمات الصحية بها أطباء مصريين من خريجى كليات الطب المصرية ولهم سمعة طيبة وشهرة كبيرة فى هذه البلاد.. كما يتميز العلاج فى مصر بميزات عديدة كفيلة بجذب المرضى من كل الدول العربية والأفريقية منها أن تكاليف العلاج فى مصر لا تمثل أكثر من 40% من التكاليف فى أية دولة أوروبية، وتكلفة المعيشة فى مصر أقل بكثير منها فى أية دولة أوروبية، بل من أية دولة عربية.. ومع ذلك لم نقدم حتى الآن ما يدعم السياحة العلاجية فى مصر ويجعلنا قبلة لكل المرضى القادرين وغير القادرين من البلاد العربية والأفريقية.
لذلك فإن ملف علاج غير المصريين فى مصر يحتاج الى بحث وتدقيق من الجهات المعنية وفى مقدمتها وزارات: الصحة، والاستثمار، والخارجية، والسياحة، والمالية، فالسياحة العلاجية يمكن أن تضيف الكثير الى رصيد الاقتصاد المصرى.. فضلا عن المكسب الأهم من المال وهو دعم مكانة مصر العلمية والحضارية كدولة عربية متميزة لها رصيدها الضخم فى مختلف المجالات وخاصة مجال الرعاية الصحية، وهذا عامل مهم يدعم القوة الناعمة لمصر وهى تضيف إليها أهم ما يضيفه الدعم الاقتصادى.
أسعار الأطباء المشهورين فى مصر تحتاج الى مراجعة من وزارة الصحة ونقابة الأطباء لأن بعض الأطباء يغالون فى تكلفة الكشف بشكل قد يدفع المريض العربى الى اختيار آخر غير القدوم الى مصر، وقد تعرضت أنا شخصيا لتجربة عملية حيث كشفت لدى رئيس قسم زراعة الكبد فى جامعة برلين بألمانيا ودفعت له 17 يورو فقط مقابل جلستى علاج مدتهما 4 ساعات.. بينما أدفع عن الطبيب المصرى المماثل له عندنا فى مصر ثلاثة أضعاف هذا المبلغ وهو لا يعطينى أو غيرى فى الكشف والاستشارة أكثر من نصف ساعة!!
لذلك فإن ملف علاج الأجانب فى مصر يحتاج الى مراجعة وحوافز جديدة، كما يحتاج الى دعاية واسعة لتعريف إخواننا العرب بما تمتلكه مصر من إمكانات طبية فى مختلف التخصصات، ففى مصر أحدث مراكز لعلاج الأورام، وأفضل مراكز لزراعة الأعضاء وخاصة الكلى والكبد، كما تمتلك مصر عيادات متطورة وآمنة فى علاج الأسنان والعظام والعديد من الأمراض المنتشرة فى البلاد العربية.
علينا أن نُعرف إخواننا العرب بامكانات مستشفيات مصر ومراكزها الطبية، وأن نؤكد لهم عمليا- وليس بالكلام- أنها لا تقل فى الامكانات والتجهيزات عن المسشفيات فى أوروبا خاصة بعد ضخ استثمارات ضخمة فى هذا القطاع من جانب المصريين وإخوانا الخليجيين وخاصة السعوديين والإماراتيين، والآن يقترب عدد المنشآت الطبية الخاصة فى مصر من ال2500 .. فضلا عن أكثر من 100 مستشفى جامعى تمتلك امكانات ضخمة من الأطباء والأجهزة الطبية الحديثة.
***
إمكانات مصر كبيرة فى مختلف قطاعات الاستثمار، ولكن عدم وجود تخطيط جيد، وفتح آفاق استثمارية جديدة، وعدم وجود دعاية كافية للتعريف بما لدينا من إمكانات وقدرات فى مختلف المجالات هو الذى يحرمنا من جذب الاستثمار الحقيقى.. لذلك فإن مراجعة ملفات الاستثمار فى قطاعات التعليم والصحة وغيرهما واجبة، والأمر يحتاج الى جهود مميزة من الوزارات المعنية لتفعيل حملات تعريفية بإمكانات مصر الطبية والتعليمية والسياحية وغيرها من خلال كل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى.