لوجه الله
ليس من قبيل الشعارات الجوفاء أن نؤكد أن تعاليم الأديان السماوية تحمى البيئة من التلوث، وتكف أيادى العابثين عن الإضرار بالمناخ، وتوجب عقوبات تعزيرية على كل يد تعبث وتفسد فى الأرض أو الجو أو البحر.
لذلك أتمنى أن يكون لعلماء الدين إسهامات واضحة فى المؤتمر الدولى للتغير المناخى الذى تستضيفه مصر بعد أيام، وذلك لإبراز عطاء الأديان السماوية لمواجهة العبث المتصاعد فى التعامل مع البيئة بكل عناصرها، فالتوعية الدينية من العناصر المهمة فى مواجهة تجاوزات البشر بعد أن فشلت القوانيين الدولية فى كف يد العابثين ومعظمهم فى الدول الصناعية الكبرى التى تدعى حمايتها للمناخ وهى أكثر شعوب العالم عبثا وإضرارا به.
المؤسسات الدينية المصرية كان لها خلال الأسابيع المصرية جهود واضحة فى الكشف عن إسهام الفكر الإسلامى فى مواجهة كافة صور الإفساد البيئى والتغير المناخى حيث أطلق مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف حملة توعوية تحت عنوان "مناخنا حياتنا" للتوعية بمخاطر السلوكيات الجماعية أو الفردية التى تشكل إضرارا بالبيئة والتى تكاثرت وتعاظمت وأصبحت تشكل خطرا كبيرا على حياة كل الأمم والشعوب، وأكد الأزهر ضرورة الاستعانة بالتعاليم الدينية لكل الأمم والشعوب لمواجهة المخاطر البيئة التى تحيط بالعالم، وأوضح أن الإسلام له رؤية وفلسفة واضحة فى حماية البيئة من التلوث يجب الاستفادة منها.. كما أوضحت دار الافتاء من خلال مؤتمرها الدولى الذى اختتم منذ أيام تحت عنوان"الفتوى والتنمية والمستدامة" دور التوجيهات الدينية فى الارتقاء بالمناخ وحمايته من صور الإضرار به، وحذر العلماء- من خلال هذه المؤتمرات- من استمرار الممارسات الضارة بالبيئة، وأوضحوا أن المشكلة الكبرى التى تواجه العالم الآن هى مشكلة بيئية تتفاقم وتهدد مختلف دول العالم فى ظل الحروب المشتعلة فى أكثر من منطقة، والتمادى فى الممارسات الصناعية التى تضرب البيئة فى مقتل، ونبهوا الى أنه فى ظل حالة الفرقة والانقسامات التى يعيشها العالم الآن سوف تتضاعف المشكلة وتتعقد، وسيشهد العالم خلال السنوات القادمة المزيد من التدهور البيئى والمناخى.
**
بالتأكيد.. أزمة البيئة والمناخ لا تخص شعبا ولا وطنا ولا معسكرا دوليا بعينه، بل العالم كله الآن فى مركب واحد تحيط به المخاطر والعواصف من كل جانب خاصة بعد أن اشتعلت الحروب المدمرة فى منطقة مهمة من العالم، ولذلك يجب أن تستخدم كل أمة وسائل التأثير المتاحة لها وفقا لثقافة شعبها.. ونحن كأمة إسلامية لدينا منظومة حماية متكاملة تتمثل فى تعاليم وأوامر قرآنية ووصايا وتوجيهات نبوية كريمة بضرورة العمل على حماية البيئة من كل صور الافساد، وهى كثيرة ومتنوعة، وبعضها يدخل فى نطاق المعاصى التى تجلب لأصحابها الذنوب والآثام، وبعضها يدخل فى نطاق الإفساد فى الأرض الذى يستوجب عقوبات تعزيرية، حتى لا يتسبب البعض فى إغراق الكل كما أوضح لنا رسولنا العظيم صلوات الله وسلامه عليه، فى الحديث الصحيح:" مَثَلُ القَائِم في حُدُود الله والوَاقِعِ فيها كمَثَل قَوم اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَة فصارَ بعضُهم أَعلاهَا وبعضُهم أسفَلَها، وكان الذين في أسفَلِها إِذَا اسْتَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على من فَوقهِم، فَقَالُوا: لَو أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَم نُؤذِ مَنْ فَوقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُم وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيدِيهِم نَجَوا وَنَجَوا جَمِيعاً".
هذا التوجيه النبوى الكريم يؤكد على ضرورة وجود عقوبات تعزيرية تحددها الجهات المختصة لكل من يرتكب سلوكا فيه إضرار بالبيئة، فالإنسان هو المسؤول عن الكوارث البيئية أو المناخية، وعنفه فى التعامل اللاأخلاقى مع الطبيعة وكائناتها، وتسخيرها لمصلحته ومنفعته الخاصة سواء كان هذا الإنسان أفرادا أو شركات أو دولا ذات بأس لا تنظر إلَّا لما تحت قدميها، ولا تبحث إلا عن مصالحها الخاصة.
**
من هنا يجب الاستفادة من منظومة المواجهة الدينية لكل مظاهر الافساد البيئي، فتعاليم الدين تلعب دورا مهما لنشر الوعي المناخي، وتسهم فى الحد من السلوكيات الضارة بالبيئة والمناخ، وليس هذا فحسب.. بل الارتقاء بالبيئة حتى تكون صالحة للحياة.. والتوعية بقضية المناخ كقضية دينية من الأمور المهمة، فتغير المناخ للأسوأ من أكثر القضايا تهديدا في عصرنا، والسبب الرئيسى لها هو تفشي مبدأ الاستهلاك، وتحول الإنسان من كائن معمر إلى كائن مستهلك.
يقول د.على جمعة عضو هيئة كبار العلماء ومفتى الجمهورية السابق: يجب أن نرسخ فى أذهان الجماهير أن حماية البيئة من التلوث واجب ديني، لا يجوز لإنسان التخلى عنه وإلا كان آثما شرعا، وترديد العلماء والدعاه وخطباء المساجد لهذا الكلام ليس من قبيل الاستهلاك الإعلامي، لأنه حقيقة تؤكدها النصوص الشرعية، والتوجيهات والآداب الإسلامية، وكل من له أدنى صلة بالعلوم الإسلامية يعرف هذه الحقيقة، ويعلم علم اليقين أن رعاية البيئة وحمايتها وإصلاحها والمحافظة عليها، ليس أمرا دخيلا على علوم الإسلام والثقافة الإسلامية، وليست من ابتكار الغرب، ولا من صنع حضارته كما يردد المنبهرون بالغرب هنا وهناك، بل الحقيقة التي تؤكدها تعاليم ديننا أن رعاية البيئة هدف واضح للثقافة الإسلامية، وقد عني بعض علماء الإسلام بعلاقة البيئة بعدد من علومنا الإسلامية الأصيلة، وكشف النقاب عن علاقة البيئة بعلم أصول الدين، أو علم التوحيد، وعلاقتها بعلم السلوك والتزكية، أو علم التصوف، وصلتها الواضحة بعلم الشريعة، أو علم الفقه وأصوله ومقاصد الشريعة، كما أن صلتها واضحة بعلوم القرآن والسنة..واهتمام الاسلام بالبيئة ورعايته للمناخ لا تقف عند حدود الحماية، والإبقاء على الموجود كما هو.. بل تتعدى رعاية الإسلام الى "الارتقاء بالبيئة" لكى يعيش الانسان فى مناخ صحى ويستمتع كامل الاستمتاع بما أنعم الله به عليه.
نعم.. تعاليم الدين تستطيع أن تغير كثيرا من سلوكياتنا الخاطئة، وهى فى مجال البيئة والمناخ ترتقى بالسلوك الإنسانى تجاه كل مخلوقات الله، فلا إفساد ولا انحراف عن هداية السماء، ومن هنا ترتقي بالبيئة، وتحميها من كل صور العدوان عليها وإفسادها، فالإنسان فى تعامله مع كل شيىء يحيط به من جماد وحيوان وعناصر متنوعة للبيئة، تحكمه قاعدة الحلال والحرام، والمباح والمحظور، فالإنسان المتدين تدينا صحيحا لا يخرب، ولا يتلف ولا يلوث الماء ولا الهواء بسلوك عشوائى غير محسوب، إلا إذا كان يفتقد العقل والوعى، أو كان جاهلا بأبسط تعاليم دينه.