رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إنصحوا .. ولا تفضحوا

عبارة "إنصحوا.. ولا تفضحوا" من وصايا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لنا ينبغى أن نعمل بها ونحرص عليها فى كل عصر وفى كل مكان.. وهى تمثل قيمة أخلاقية مهمة جدا ما أحوجنا جميعا إليها الآن سواء فى ساحة الإعلام، أو بين الجماهير على مواقع التواصل الاجتماعى بعد أن انتشر الإسفاف اللفظى بين الناس على مختلف المستويات، ولم تعد العبارات المسفة والمسيئة من خصائص السوقة والدهماء وعديمى التربية، بل انتشرت للأسف على ألسنة كثيرين ممن كنا نعتبرهم قدوة ومثلا لأبنائنا.

بالتأكيد.. من حق كل إنسان أن يعبر عن رأيه بحرية طالما التزم أدب الحوار واحترم المخالفين له فى الرأى والفكر، كما أن من واجب الإنسان وفقا لتعالم ديننا أن ينصح ويوجه بما يراه حقا وعدلا.. لا خلاف فى كل ذلك ولا خوف أو حرج منه.. لكن فرق كبير بين أن "تنصح" وأن "تفضح" فالنصيحة سلوك أخلاقى يؤكد حرص الإنسان على تحقيق الخير لمن ينصحهم مخلصا لوجه الله.. والفضيحة سلوك مذموم لأنه يستهدف الإساءة والتشهير وإلحاق الأذى بالآخرين.

****

التشهير بمن يرتكبون أخطاء وتجاوزات سلوكية أو أخلاقية تصرف يدينه الشرع ويعاقب عليه، فقد علمنا ديننا أن نواجه التجاوزات بإسلوب أخلاقى لا يجوز أن نحيد عنه بأى حال من الأحوال، حتى لا يتحول التوجيه الى أدة لهدم القيم والأخلاق، وحتى لا نوغر الصدور بكلمات تجرح مشاعر الآخرين، وحتى لا ندفعهم الى العناد والإصرار على مواقفهم التى نراها خاطئة ومخالفة للقيم والأخلاق الفاضلة ولتعاليم الدين الذى ننتمى إليه.

شعارنا فى التعامل مع التجاوزات الأخلاقية لا ينبغى أن يحيد عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنصحوا ولا تفضحوا" ولذلك فإن عرض مثل هذه التجاوزات الأخلاقية للمناقشة من خلال وسائل الإعلام يجب أن يخضع لضوابط أخلاقية، حماية للمجتمع- وخاصة فئة الشباب- من الانسياق وراء تجاوزات يدينها الشرع، ويعاقب عليها استنادا الى مبررات واهية وجريا وراء مكاسب إعلامية تؤدى الى الإضرار بالمجتمع.

****

نماذج الاسفاف على مواقع التواصل الاجتماعى كثيرة ومتنوعة وتتضاعف يوما بعد يوم ولا تستطيع أية جهة رقابية وحدها أن تلاحق المسفين والعابثين بالقيم والأخلاق والذين يستغلون وسائل التواصل الحديثة أسوأ استغلال.

أعجبنى سلوك أحد المحامين الذى رفع دعوى قضائية على إحدى الفضائيات يطالب فيها بوقف برنامج تعود على عرض تساؤلات جماهيرية تتضمن تجاوزات أخلاقية مثيرة بهدف جذب المشاهدين وتحقيق نسب مشاهدة عالية، واستند فى دعواه الى فتوى من الأزهر تؤكد حرمة عرض مثل هذه التجاوزات الأخلاقية للسائلين بالشكل المثير الذى يتضمنه هذا البرنامج.

كما أعجبنى سلوك ممثلة معروفة رفعت دعوات قضائية ضد مواقع وفضائيات روجت ارتكابها تجاوزات وجرائم أخلاقية دون سند ودليل.. وانشغلت الجماهير مؤخرا- ولا تزال- بقصص علاقات عاطفية محرمة لمشاهير..ورغم ما فى هذه القضايا من سلوك إيجابى تجاه المتجاوزين لكنها تظل قليلة ورمزية ولا تكفى لمواجهة تلك التجاوزات.. وهنا ينبغى أن تقوم مختلف أداوات التوجيه الدينى والاعلامى والقانونى بواجبها لمواجهة هذا الاسفاف الذى يتزايد بشكل مزعج.

****

فى حوار سابق مع العالم الأزهرى د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء سألته عن موقف الدين من هؤلاء الذين يمارسون الاسفاف بإسم حرية الرأى.. فقال: ديننا يعلمنا كل خلق طيب، وكل سلوك قويم فى التعامل مع بعضنا البعض، ويرفض رفضا قاطعا إحاطة الناس بالظنون والأوهام، والجرى وراء زلاتهم والتجسس عليهم، ويرفع شعارا يؤكد حسن خلق الإنسان الذى يلتزم بتعاليمه وآدابه، حيث يقول صلوات الله وسلامه عليه: (إنصحوا ولا تفضحوا) فالنصيحة المخلصة أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وهى تحقق أهدافها الدينية والإنسانية والأخلاقية، وتهدى المخالف أو المتجاوز الى طريق الهداية والصلاح.. لذلك لا يجوز شرعا أن نكف عن تقديم النصيحة والتوجيه الدينى الصحيح، وهذه مسؤولية العلماء والدعاة فيما يتعلق بالشأن الدينى، كما أنها مسؤولية كل متخصص فى مجال تخصصه.. لذلك، لا ينبغى أن نلوم أحدا على تقديم نصيحة ما دامت صادقة، وواجب علماء الإسلام فى كل المواقع تقديم التوجيهات الدينية الصادقة، وأن يوضحوا للناس الحلال والحرام، ليتهتدوا بهدى الشرع، ويتوقفوا عن التجاوزات الأخلاقية.

ويضيف د.هاشم: لا يجوز توجيه اتهامات أخلاقية لشخص ما- رجلا كان أو إمرأة- استنادا لشائعات تتردد هنا وهناك، كما لا يجوز افتضاح أمر إنسان ستره الله عز وجل واتجه الى التوبة، فالستر حق للمسلم العاصى طالما عقد العزم على التوبة، والله سبحانه وتعالى يقبل توبة عبده مهما كان ذنبه طالما كان صادقا فى توبته نادما على ما ارتكب من سلوكيات شاذة ومرفوضة دينيا.. لذلك يجب على الجميع التحلى بمكارم الأخلاق وتجنب نشر ما يؤدى الى إشاعة الفساد الأخلاقى فى المجتمع.. وكل من يفعل ذلك فهو آثم شرعا.

بالتأكيد.. التوعية والتوجيه الدينى والأخلاقى لا يكفى وحده لمواجهة تجاوزات المسفين والمتجاوزين ولابد من عقاب قانونى فالله سبحانه وتعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضى الله عنه، فهناك الكثيرون من أصحاب النفوس المريضة الذين لا تصلح معهم نصيحة ولا تزجرهم معصية ولا يخافون عقاب الخالق سبحانه.. وهؤلاء ينبغى أن نلاحقهم قضائيا طالما أنهم لا يتوقفون عن الاسفاف ولا يكفون عن نشر الفضائح وما يؤذى مشاعر الناس.

يجب أن نتكاتف كمواطنين لمواجهة هؤلاء المتجاوزين بأن لا نسمح بوجودهم على صفحاتنا الشخصية حتى لا نسهم فى نشر تجاوزاتهم وإسفافهم على الناس.. وهذا أضعف الايمان.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة