عيون الشعب
من سوء حظى .. اننى لم اعش عصر عمالقة الأدب العربى .. اقترب منهم .. ارتشف من ثقافتهم وابداعاتهم .. اتتلمذ على ايديهم .. واسعد بلقائهم .. احتفظ لهم باحاديث وذكريات .. كتلك التى تشعرني بالحياة .. ولعل هذا الاحساس يلازمني .. عندما اقرأ لهم .. وقد تكون قراءة اعمالهم تعويضا عن هذا الشعور .. وجاء اهتمامى الأكبر .. بالجانب الانسانى فى حياتهم .. ثم الغوص فى الكنوز التى كتبوها لنا .. ويكفى انهم أقاموا مجدهم بكفاحهم .. كتبت عن العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم .. واليوم إحسان عبد القدوس .. ( ١ يناير ١٩١٩ _ ١٢ يناير ١٩٩٠ ) .. خريج حقوق القاهرة .. كاتب متميز .. برع فى كتابة المقال السياسى .. وتربع على قمة هرم الرواية فى كل العالم العربى .. اقتحم بيوتنا بلا استئذان عن طريق شاشة التليفزيون التى قدمت لنا أروع قصص أفلامه ومسلسلاته .. لعله اكثر كاتب أثير حول رواياته الجدل .. ومنعت بعضها من دخول بعض الدول العربية .. بسبب جرأتها .. وقد اعترض الرئيس جمال عبدالناصر على رواية البنات والصيف .. لكن إحسان قال له : ان المجتمع به أسوأ واقبح منها .. وإحسان صاحب اكبر شبكة علاقات متينة مع الجميع .. بداية من الرئيس عبدالناصر وجميع اعضاء مجلس قيادة الثورة .. ونهاية بكل من يتعامل معه .. بدايات كاتبنا الكبير .. جاءت متناقضة .. فقد عاش وتربى فى منزل جده بعد انفصال والده عن والدته .. كان جده رجل دين من خريجى الأزهر .. يصطحب إحسان معه للعديد من اللقاءات الدينية .. وفى نفس الوقت يحضر ندوات ولقاءات والدته الكاتبة الكبيرة فاطمة اليوسف صاحبة صالون ثقافى يحضره نجوم المجتمع .. من كتاب وادباء وشعراء وايضا من فنانين .. نتج عن هذه الخلطة ( الالتزام الدينى للجد والانفتاح الفكرى للأم ) .. نموذج إحسان عبد القدوس الفريد المتحرر .. الذى يعتبر اعظم من تغلغل داخل أعماق المرأة .. وقدمها لنا بكل براعة وإتقان .. كتب إحسان قصة فيلم " أبى فوق الشجرة " فى ٤ صفحات فقط .. وهو الكاتب الوحيد الذى كان يختار بنفسه ممثلات افلام رواياته .. وكأنه الاكثر خبرة .. بقدرة اداء كل فنانة فى تجسيد ابطال رواياته .. كما رسمها فى الرواية .. نجح إحسان فى تقديم حياة الناس بكل ما فيها .. بمصداقية وشفافية وصدق بجرأة كاشفة للحقيقة .. كلنا نتذكر اعظم اعماله الخالدة : لن اعيش في جلباب أبى _ يا عزيزى كلنا لصوص _ غابت الشمس ولم يظهر القمر _ الحياة فوق الضباب _ رائحة الورد وانف لا تشم _ ويمتاز إحسان بأنه صاحب اكبر شبكة علاقات بين جميع الكتاب .. على مستوى الوطن العربى كله .. كان الكاتب الصحفى الأقرب للضباط الاحرار ثورة يوليو ١٩٥٢ .. خاصة جمال عبدالناصر .. كان يلتقى بهم شبه يوميا ..وجاءت مقالاته بمجلة روزاليوسف التى اسستها والدته داعمة ومفيدة للثورة .. تسببت رواية " أنف وثلاث عيون " .. فى عدة مشاكل له .. عقب نشر مسلسل فى روزاليوسف سنة ١٩٦٦ .. رفضت الدولة نشرها فى كتاب .. وقدم احد اعضاء مجلس الأمة ( النواب حاليا ) سؤالا عن هذه القصة لوزير الثقافة فى ذلك الوقت .. واستدعته النيابة للتحقيق .. يقول إحسان عبد القدوس فى خطاب أرسله للدكتور طه حسين .. عميد الأدب العربى .. يشكو فيه هذا الاضطهاد لأنف وثلاث عيون .. بأنه عندما التقى بعضو مجلس الأمة .. اعترف له هذا النائب بأنه لم يقرأ الرواية اصلا .. إنما قدمت له بعض من فقراتها فقط .. واسفرت هذه الازمة عن اعفاء إحسان من منصبه كرئيس لمجلس إدارة مؤسسة روزاليوسف .. وجاءت المفاجأة .. بحفظ النيابة للتحقيق .. وتحولت هذه الرواية الى فيلم ومسلسل وتم طبعها فى كتاب .. تأثر كاتبنا الكبير بوفاة امه .. ينقل لنا الصديق العزيز محمد نجل كاتبنا الكبير إحسان الذى ورث مهنة الصحافة .. ليصبح من أبرز كتاب اخبار اليوم .. وايضا واحد من اعضاء مجلس نقابة الصحفيين .. الذين يحصلون على أغلبية أصوات جموع الصحفيين .. فى كل انتخابات يخوضها .. دون أن يضع لافتة واحدة .. يقول محمد .. ان والده لجأ الى سلاحه الكتابة .. وكأنها الحصن الذى يحتويه .. جلس إحسان عبد القدوس .. فى لحظة وفاة امه .. يقول : كان البيت هادئا .. هدوء له رائحة .. اول مرة اعرف ان للهدوء رائحة .. اختفت الابتسامة من الوجوه .. لا أحد يكلمنى فى البيت .. سألت الطبيب .. ها سمعت نبضها .. لقد كنت اسمع دقات قلبها وانا فى إندونيسيا .. حينما رافقت عبدالناصر فى زيارته لباندونج .. وامسكت يد الطبيب .. التنفس يا دكتور .. وسمعت صوتا لا أعرفه .. لم اسمعه من قبل .. لعله ملك الموت يقول .. البقية فى حياتك .. ليس لى حياة كاملة الا مع امى .. يقول إحسان .. كانت امى لحظة وفاتها تبتسم ولا تتكلم .. لون بشرتها كلون اللبن مخلوط بعصير الورد .. سقطت على ركبتي بجانب فراشها .. أمسكت بيدها وقبلتها ثم رفعتها الى جبينى كما عودتها .. اخذت فقط نظارتها .. لعلى أرى بها ما كانت تراه .. يقول محمد إحسان عبد القدوس .. ان علاقات والده كانت ممتدة مع رؤساء وملوك عرب .. يذكر منهم .. الشاعر الأمير السعودى عبدالله الفيصل .. الذى كان يتردد على منزل " سانو " .. وسانو هو الاسم الذى اطلق على إحسان .. يعرفه الأصدقاء من المقربين .. وقد ساعده إحسان فى لقاء عبدالحليم حافظ ليغنى قصيدته " سمراء يا حلم الطفولة " بدلا من محمد عبد الوهاب .. ويحكى الكاتب الصحفى محمد عبد القدوس عن ذكريات والده مع الأمير طلال بن عبدالعزيز .. والملك الحالى سلمان بن عبدالعزيز .. عندما كان امير الرياض .. اقول ان روائع إحسان عبد القدوس خالدة فى وجداننا مدى الحياة .. فهو كاتب بدرجة انسان .. حصل على امتياز .. فى حب كل من يتعامل معه سواء من داخل او خارج روزاليوسف او بعدها اخبار اليوم التى تولى رئاستها ايضا.