قبل عدة سنوات لا تتعدي أصابع اليد الواحدة، لم يكن احد في أوروبا يتخيل في اقصي أحلامه تشاؤما ان يعيد الناخبين بأنفسهم المتطرفين اليمينيين إلى سدة الحكم، بعد ما تعرضرا له من انهيار غير مسبوق في اعقاب حربين عالميتين اخذت في طريقها الأخضر واليابس لمجرد تحقيق أوهام هؤلاء المتطرفين.
وبعد السويد، حقق اليمين المتطرف انفراجة جديدة له في أوروبا، بفوز جورجيا ميلوني في الانتخابات التشريعية في إيطاليا، حيث ستُتاح لحزب تعود جذوره إلى الفاشية الجديدة فرصة حكم البلاد للمرة الأولى منذ عام 1945.
وبعد أن استمر في صفوف المعارضة في كل الحكومات المتعاقبة منذ الانتخابات التشريعية في 2018، فرض حزب "اخوان إيطاليا" فراتيلي ديتاليا بزعامة ميلوني نفسه بديلا رئيسيا، وانتقلت حصته من الأصوات من 4,3% قبل أربع سنوات إلى حوالى ربع الأصوات (بين 22 و26%)، ليُصبح بذلك الحزب المتصدر في البلاد.
تتمثل أبرز مؤشرات صعود التيارات الشعبوية في فوز أحزاب يمينية بالانتخابات في بعض الدول الأوروبية، ورغم أن التقديرات كانت تشير إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية ستؤدي إلى غلبة التيار الليبرالي الحقوقي لكونه أشد التيارات مناهضة للحكومات ذات النزعة الشعبوية التي ينتمي لها سيد الكرملين فلاديمير بوتين؛ غير أن النتائج جاءت مخيبة للتوقعات، فالانتخابات التي جرت مؤخرا في المجر وصربيا، ثم السويد، وختاما إيطاليا أكدت تنامي الظاهرة.
وفي تلك الجواء اليمينية بامتياز، اصبح التحالف الذي يُشكله حزب" اخوان إيطاليا" مع كل من الرابطة اليمينية المتطرفة بقيادة ماتيو سالفيني وحزب فورزا إيطاليا المحافظ بقيادة سيلفيو برلسكوني، يمتلك تقريبا غالبية مقاعد البرلمان.
وسيشكل ذلك زلزالا حقيقيا ليس في إيطاليا فقط، باعتبارها إحدى الدول المؤسسة لأوروبا وثالث قوة اقتصادية في منطقة اليورو، إنما كذلك في الاتحاد الأوروبي الذي سيضطر إلى التعامل مع السياسية المقربة من رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان.
ورغم تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين التي اشارت فيها إلى أن لدى الاتحاد الأوروبي "أدوات" لمعاقبة الدول الأعضاء التي تنتهك سيادة القانون وقيمه المشتركة. الا ان المؤشرات ترجح ان يعود من جديد أصوات مثل أوروبا للاوربيين، وأوروبا أولا، وغيرها من الشعارات التي تهدد الأسس الديمقراطية المتعارف عليها في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
نجحت ميلوني المعجبة سابقا بموسوليني والتي ترفع شعار "الله الوطن العائلة"، في جعل حزبها مقبولا كقوة سياسية وطرح المسائل التي تحاكي استياء مواطنيها وإحباطهم ببقائها في صفوف المعارضة في وقتٍ كانت الأحزاب الأخرى تؤيد حكومة الوحدة الوطنية بزعامة ماريو دراغي. وأيا تكن الحكومة التي ستنبثق من الانتخابات لتتولى مهماتها اعتبارا من نهاية أكتوبر، فهي تواجه منذ الآن عقبات على طريقها.
فسيتحتم عليها معالجة الأزمة الناجمة من الارتفاع الحاد في الأسعار في وقت تواجه إيطاليا دينا يمثل 150% من إجمالي ناتجها المحلي، أعلى نسبة في منطقة اليورو بعد اليونان. وفي هذا السياق، إيطاليا بحاجة ماسة لاستمرار المساعدات التي يوزعها الاتحاد الأوروبي في إطار خطته للإنعاش الاقتصادي بعد كوفيد-19 والتي يمثل هذا البلد أول المستفيدين منها وبفارق كبير عن الدول الأخرى. في المقابل، بإمكانها الوقوف في صف وارسو وبودابست في معركتهما مع بروكسل حول مسائل الدفاع عن المصلحة الوطنية بوجه المصالح الأوروبية.
ومثلما فعلت قبلها زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن، تخلت ميلوني في نهاية المطاف عن مشروعها القاضي بالخروج من اليورو، لكنها تطالب بـ"مراجعة قواعد ميثاق الاستقرار" المعلقة بسبب الأزمة الصحية والتي تحدد سقف العجز في ميزانية الدول وديونها بـ3% و60% على التوالي من إجمالي ناتجها المحلي.
فوز جورجيا ميلوني، زعيمة أكثر الأحزاب اليمينية تطرفا في إيطاليا منذ عهد موسوليني بالانتخابات البرلمانية، تساؤلات حول مستقبل الديمقراطية التي يبدو أن نجمها بات يأفل تدريجيا في أوروبا.
تاريخيا، أثبتت التجارب أن التهديدات الخارجية، خصوصا الوجودي منها، تدعم النزعات القومية، وتعزز نفوذ التيارات اليمينية بصفتها قوة بديلة قادرة على الاصطفاف في وجه الخطر والتصدي للتهديد.
في الفترة الأخيرة مثلا، ومع تداعيات جائحة كورونا على اقتصاد العالم وفي القلب منه الاقتصاد الأوروبي، وكذلك مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وما تمثله من خطر على أمن القارة العجوز، تزايد نفوذ القوى اليمينية في أوروبا، وسط دعوات للانغلاق على الذات في سبيل الإنقاذ، وتصاعدت خطابات الكراهية ضد كل ما هو أجنبي.
وما بين أزمات السياسة كالهجرة واللجوء والصراعات الدولية، وأزمات الاقتصاد كنقص إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب أزمة الهوية التي خلقتها العولمة والنظام الجديد في إدارة العالم، يفرض سؤال محوري نفسه، وهو لماذا تجنح صناديق الاقتراع إلى اليمين في كبرى العواصم الأوروبية؟.