رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

توفيق الحكيم !

كنت قد قررت أن اكتب سلسلة مقالات عن ادبائنا الكبار .. بدأت بالدكتور طه حسين .. ووجدت انه يستحق منفردا سلسلة مقالات .. فهو نموذج نادر .. ويكفى ان مؤلف كتاب أفضل مائة رجل فى العالم .. اختار طه حسين .. من بين اول عشرة رجال منهم .. وسوف اعود للدكتور طه .. فى مقالات قادمة بإذن الله .. واليوم اسمحوا لى .. ان اصطحبكم فى رحلة كاتب عملاق .. من جيل نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف السباعى واحسان عبد القدوس والفريد فرج ويحيى حقى ومحمود تيمور .. وغيرهم .. انه توفيق الحكيم .. ولعله لم ياخذ حقه من الشهرة كباقي ادباء جيله .. لأنه تخصص فى كتابة المسرحيات .. ومن لا يعرف بدايات الحكيم .. فقد عمل لمدة ٥ سنوات كوكيل نيابة بعد حصوله على المركز الأول فى كلية الحقوق .. وهو اعظم كتاب المسرح فى العالم العربى .. من مواليد الإسكندرية فى عام ١٨٩٨ من أسرة غنية .. أرسله والده سنة ١٩٢٥ للحصول على الماجستير والدكتوراه من باريس على نفقته الخاصة .. لكنه اهتم بالادب على حساب القانون ..وعاد لمصر بعد اقامة ٣ سنوات فى باريس .. وكتب لنا " يوميات نائب فى الارياف " .. سنة ١٩٣٧ وهو وكيل نيابة .. عن سيرته الشخصية وممارسته على أرض الواقع .. كوكيل نيابة فى الصعيد .. تسببت هذه الرواية .. فى شهرته كأديب .. فترك السلك القضائى .. واتجه للأدب .. وقدم لنا حوالى ٦٢ مسرحية .. تعتبر البناء الأساسي من اعماله الأدبية .. وكان توفيق الحكيم حريصا على الجلوس فى الصف الاول فى المسرح لمشاهدة عروض مسرحياته اثناء عرضها وسط حفاوة جميع الممثلين وايضا الجمهور .. وقد استطاع الحكيم .. ان يجعل له .. لغة كتابة خاصة به .. حيث جمع بين الفصحى والعامية .. فى بساطة وسهولة .. يفهمها الجميع على مختلف ثقافتهم وتعليمهم .. على عكس العملاق طه حسين الذى تمسك باللغة العربية الفصحى الجامدة .. وقد تأثر كاتبنا الكبير بما شاهده وعاشه فى باريس .. وكان من رواد مقهى السلام الشهير .. فى قلب ميدان الأوبرا .. بجوار أوبرا باريس .. اشهر أوبرا فى اوروبا .. والثانية على العالم .. بعد أوبرا امريكا .. وهى رائعة معمارية فريدة .. وهى الأوبرا الام .. بعد ٣ أوبرا غيرها .. واحدة منها اقاموها مكان سجن الباستيل المرعب .. وذلك كمركز للفنون .. بديل عن السجن .. كتب الحكيم " عودة الروح " وهو فى باريس .. عكس صورة حقيقية للحياة فى مصر سنة ١٩١٩ .. اهتم الحكيم بالعلاقات الانسانية بين البشر .. خاصة داخل الاسرة الواحدة .. استطاع الحكيم .. ان يقدم لنا نماذج حقيقية تعيش بيننا فى عودة الروح .. واتوقف امام رواية " عصفور الشرق " التى كتبها عام ١٩٣٨ .. وهى رواية تعكس الكثير من حياة الحكيم نفسه .. وقد ربطها بعودة الروح .. عندما سافر محسن احد شخصيات الرواية الى باريس .. ثم يقدم لنا الحكيم مسرحية " اهل الكهف " .. عام ١٩٣٣ .. ولكنها مختلفة عن كل ما كتبه قبلها .. اختار موضوعا يرجع إلى الزمن البعيد جدا .. حيث هرب ثلاثة رجال من اضطهاد ملك كافر .. الى الصحراء .. ولجأوا الى كهف ناموا فيه .. ولما استيقظوا فوجئوا بعالم مختلف عما كانوا فيه .. بعد ٣٠٠ سنة نيام .. ويذهب احد هؤلاء الثلاثة .. الى المدينة .. والتقى بفتاة اسمها بريسكا .. نفس اسم الفتاة التى كان يحبها منذ ٣٠٠ سنة .. فيعود الى الكهف ليموت هناك ..ويصطحب بريسكا معه التى تحبه .. ليموت المحبان داخل الكهف .. لأن السعادة الحقيقية لن تتاح لهما فى هذه الحياة .. بل ستتاح فيما وراء الزمن .. اما فى مسرحية شهرزاد ( ١٩٣٤ ) .. فقد انتصر فيها الحكيم على عنصر الزمن .. وما يميز اسلوب وفكر كاتبنا الكبير .. انه وضع رابط .. أو رمز .. او امتداد لبعض مسرحياته مع بعضها البعض .. فهو هنا فى مسرحية " شهرزاد " .. يجعل الزمن داخل نفس الملك شهريار .. هذا الزمن .. يتزحزح على ايدى الحسناء شهرزاد .. حيث تخرجه الى عالم آخر .. هادئ جذاب .. عن طريق الحكايات التى تقدمها له .. ويقرر الملك الخروج الى مكان آخر .. وهنا يمكن ان نعترف بإن الحكيم قدم لنا شهرزاد .. ممثلة للطبيعة الساحرة الجميلة .. وقمر الرجل الذى احب شهرزاد لدرجة العشق .. انه الحب النقى الطاهر البرئ .. والملك شهريار يجسد الشخص الذى يريد ان يمتلك كل شيء .. وقد قرأت اول ما قرأت للحكيم نائب فى الارياف .. اكثر من مرة .. واعتبرها اعظم ما كتب .. وبالرغم انى قرأتها منذ اكثر من ٤٠ عاما .. الا ان احداثها وشخصياتها تقفز امامى .. دائما .. فهى صورة حية .. ابدعها الحكيم بكل دقة ومهارة .. فهى تصور حياة ١٠ ايام لوكيل نيابة ( الحكيم ) وهو يمارس عمله فى احدى قرى الصعيد .. محاولا كشف غموض جريمة قتل ..للفلاح قمر الدولة علوان .. وانشغال رجال البوليس فى ذلك الوقت .. بالانتخابات .. وعدم الاهتمام بالجريمة .. نجح الحكيم بامتياز فى هذه الرواية الرائعة .. بتسجيل الحياة الريفية .. وتمتد هذه الحياة .. كما صورها المبدع توفيق الحكيم .. الى قصته " طريد الفردوس " .. وفى عام ١٩٦٠ يقدم لنا الحكيم " السلطان الحائر " .. وبعدها مسرحية " يا طالع الشجرة " .. وهى التى اطلق عليها النقاد والجمهور .. مسرح اللامعقول .. ونسيت ان اقول ان كاتبنا الكبير قد حصل على لقب عدو المرأة بالرغم من انه حاول ان ينفى ذلك صراحة فى لقاءات تليفزيونية .. وفى النهاية أقول .. ان توفيق الحكيم .. كاتب مسرحي غير تقليدى .. اقتحم مجالات جديدة مرتبطة بالزمان والمكان والمستقبل وايضا الدين .. فهو كاتب عبقري .. انتزع لنفسه مكانة خاصة .. يكاد يكون لم يسبقه اليها احد .. انه صاحب مدرسة خاصة .. هو مؤسسها ومبدعها .. اقول .. ان توفيق الحكيم وضع قدمه بثبات فى الأدب العربى .. لم يسبقه اليها احد .. لم اريد ان اتعمق فى مسرحياته .. حتى اعطى القارئ فرصة متعة قراءتها .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة