رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بداية مبشرة لوزير التعليم الجديد

إصلاح التعليم وفي القلب منه الثانوية العامة كان ولا يزال هو الشغل الشاغل لكل الحكومات المتعاقبة، لكن التوفيق لم يحالف أياً منها..وما أحسب أحداً من وزراء التعليم السابقين امتلك فرصة ذهبية لإصلاح المنظومة التعليمية كلها كتلك التي واتت الوزير السابق د.طارق شوقي؛ فقد عمل في ظل إرادة سياسية داعمة ومحفزة ومشجعة وراغبة في إصلاح التعليم حتى إن هذا الملف تحديداً ومعه ملف الصحة كانا ولا يزالان في صدارة أولوياتها.

ولست أبالغ إن قلت إنني تفاءلت كثيرًا بالوزير السابق الذي بشرنا فور توليه حقيبة التعليم بأن بعبع الثانوية العامة سلة الفشل وعقدة المصريين سوف يزول إلى غير رجعة.

الرجل كان واضحًا حاسماً ولا أقول مفرطاً في طموحه وأمانيه حين قال: إن هناك ثانوية عامة معدلة سوف تنهي الدروس الخصوصية إلى غير رجعة ولن يبقى لها أي جدوى مع نظامه الجديد ولن تنفع الطلاب أو تساعدهم لا في فهم المنهج ولا في حل امتحاناته، وأن الوزارة سوف تقوم بتوفير جميع مصادر التعلم الرقمي وتطوير المناهج وتدريب المعلمين واستعادة دور المدرسة بحسبانها مكاناً محبباً لقلوب طلابها تقدم لهم خدمة تعليمية راقية ذات معايير معتمدة.

الوزير السابق ذهب في تصريحاته، وهي مسجلة بالمناسبة، إلى أبعد من ذلك، قائلاً: " نصيحتي للجميع ألا يستجيبوا للدروس الخصوصية؛ لأنهم ببساطة لن يحتاجوا لها، ولن يكون لها أي تأثير على الأداء في السنوات المقبلة".

كلمات الوزير أثلجت صدورنا وتنفسنا معها الصعداء وداعبتنا الأماني، وحمدنا الله كما حمده كل ولي أمر أنه سينفض عنا وعن كاهل الطلاب متاعب الثانوية العامة ومشاكلها وما سببته من تخلف وضيق، وظللنا نترقب هباءً شهراً بعد شهر نتائج تطوير هائل لم تنقصه الإمكانيات ولا تأخرت الحكومة في مساندته بكل الطرق.. ورغم ظني أن الوزير كان صادقاً في رغبته لكن التجارب علمتنا أن الكلام شيء والتطبيق على أرض الواقع شيء آخر تماماً..وأن هناك مقومات نجاح لابد من توفرها أولاً كشرط لنجاح التطوير؛ كتدريب المعلمين وتأهيل جميع عناصر المنظومة التعليمية والنهوض بمستواهم وتأهيلهم لقبول وإنجاح التجربة بتفهم واقتناع لا يأتيه التعويق من بين يديه ولا من خلفه.

ذهب الوزير وبقيت الثانوية العامة تراوح مكانها كابوساً يؤرق كل أسرة مصرية ويستنزفها مالياً ونفسياً، ناهيك عما سببته لدفعتين سابقتين عاشتا تجربة لا أحسبها كانت سعيدة ولا مبشرة.

المدهش حقاً أن د.شوقي قال كلاماً أخطر بأن منظومة تعليمنا منتهية الصلاحية، وإنه مهما نحاول إصلاحها أو تطويرها أو بمعنى أدق ترقيعها بتطبيق نظام جديد للامتحان أو تعديل بعض المناهج فلن تجدي تلك المحاولات شيئاً، أو تحقق في أحسن الأحوال 20% مما نرجوه ومن ثم فلا مفر من نسف الحمام القديم، هكذا قالها الوزير السابق بشجاعة، وتأسيس نظام تعليمي جديد أو بديل يبدأ بالحضانة ويمر بكل المراحل التعليمية وصولاً للدراسات العليا ليفرز في النهاية ما تحتاجه مصر من كوادر وأفكار ومنتجات علمية بأعلى مستويات الجودة والإبداع، فليس هناك خيار آخر –والكلام لدكتور شوقي- إذا أردنا تقدماً ونهضة حقيقية تسعى الحكومة لتحقيقها بكل ما وسعها الجهد، وتدعو مكونات المجتمع كافة للإسهام بدورها كلٍ بقدر ما يستطيع لإنجاز حلم طال انتظاره وتخفيف عبء يصعب احتماله.

ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن تتداعى الأسئلة للذهن: هل كان الوزير السابق متفائلاً أكثر من اللازم أم كان لديه استراتيجية نظرية ولم يكن استعد لتطبيقها في الواقع..؟!

أليس مثل العمل الطموح يحتاج بنية متكاملة من تكنولوجيا متقدمة ومبانٍ مدرسية ومناهج متطورة ومعلم جرى تدريبه بصورة مناسبة ورأي عام تم تأهيله لقبول التغيير والاستعداد لدعمه ومساندته في وجه أي معوقات.

ما حدث في الواقع شيء مغاير تمامًا، فلا الدروس الخصوصية توقفت ولا الغش انتهى، ولا العقول تحررت من الحفظ والاستظهار، ولا تحقق الإبداع الذي بشرنا به الوزير ، ولا ساعدت البنية التكنولوجية بالمدارس على إنجاح هذا التطوير، ولا توقف "السيستم" عن السقوط في أحرج اللحظات وأشدها وطأة على النفوس، ولا تخلى الطلاب عن المنهج التقليدي تحصيلاً وامتحاناً، ولا هم أتقنوا التعامل مع نظام الامتحان الجديد ولا مدرسوهم تكيفوا معه ..وجاءت النتائج صادمة للوزير ؛ ذلك أن أوائل الثانوية اعترفوا صراحة بأنهم اعتمدوا على الدروس الخصوصية اعتماداً كاملاً ولم ينتظموا في الحضور بمدارسهم.

التعليم والصحة في صدارة أولويات الدولة أي دولة، ويقيني أنهما سيتصدران أجندة الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس السيسي، لتتحاور قوى المجتمع وفئاته كافة ويسمع الناس بعضهم بعضاً ويدلي كلٌ بدلوه في الشأن العام وما يشغل بال المواطن ويصب في صالح الوطن ويلبي تطلعاته وطموحه ويستجيب لتحدياته.

مثل هذا الحوار مفيد في كل حالاته؛ وما أحسب أن تخفيف منهج "رابعة ابتدائي" الذي تقوم عليه الآن لجنة متخصصة وكذلك تغيير شكل امتحانات الثانوية العامة بحيث تضم أسئلة مقالية إلى جانب "البابل" شيت لوقف الغش وقياس القدرات بدقة وموضوعية..ما أحسب كل ذلك وغيره إلا نتاجاً واستجابة لحوار مجتمعي عميق.

وكان الله في عون المجتمع، وفي عون دفعتي الثانوية في العامين الماضيين؛ ذلك أنهم عانوا صعوبة الامتحانات وسقوط السيستم، ونجاح البعض بل حصولهم على مجاميع مرتفعة بطرق غير مشروعة أهدرت مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة، وسوف يكون لذلك عواقب وخيمة في المستقبل فمن نجح بالغش لا يؤتمن على هذا الوطن وسوف يسيء بلاشك بمهنته التي سيعمل بها..فماذا تتوقع مثلا من طبيب نجح بالغش هل يفلح في علاج مرضاه وقس على ذلك بقية التخصصات.

ورغم كل ذلك فثمة ما يمنحنا طاقة أمل جديدة في غدٍ؛ فبداية الوزير الجديد مبشرة، فالدكتور رضا حجازي جاء من قلب المهنة وصعد سلمها درجة درجة من مدرس للعلوم حتى تبوأ الوزارة؛ ما يعني أنه ملم بكافة تفاصيل ومشكلات العملية التعليمية؛ ولابد أنه يعرف أن الإصلاح لا يعني فحسب تطوير المناهج والمحتوى الدراسي ولا تحديث طرق التدريس وطرائق التعلم لتواكب تكنولوجيا العصر وعلومه وتنافس في سوق العمل بل هي فوق ذلك كله إصلاح للنفس وتربية للضمير والوجدان؛ فالأخلاق أساس أي إصلاح حقيقي ومرتكزه ..فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. ولا خير في علم يخلو صاحبه من مكارم الخلق؛ فإذا ما اجتمع الضمير اليقظ مع العقل النابه والتفكير العلمي المبدع فذاك غاية المراد من التعليم والأخلاق..وإلا فلا خير في تعليم ولا متعلم ..ولا أحسب أن ظاهرة الغش التي نعيب تفشيها في زماننا ليست إلا نتاجاً لغياب الضمير وانعدام الأخلاق الحسنة.

ومن أسف أن مجتمعنا بات أغلبه لا يرفض مثل هذه الظاهرة التي لا يقرها شرع ولا عرف بل ويساعد عليها ويحاول فرضها بطرق مختلفة وهو ما ينبغي التنبه لخطورته والعمل على علاجه بحلول ناجعة توقف هذا الوباء.

للغش صور كثيرة حرمها الشرع لكن يبقى أخطرها على الإطلاق هو الغش في طلب العلم ..فكيف يغش الطالب في الامتحان ثم يحصل على شهادة وهمية لا هو يستحقها ولا هو كفء لها ..وربما تبوأ بسببها مركزا ليس له أهلا فإذا سمحنا بذلك الغش الفاضح فسوف يتخرج جيل جاهل غير مؤهل لحمل أمانة ومسئولية بلد بحجم مصر منبع الحضارة وفجر الضمير.

إن الغش يهدر الحقوق ويمنحها لغير الأكفاء ويساوي بين المجد المتقن وبين الكسول المهمل وهو يهدر مبدأ الجدارة والاستحقاق ويضيع على البلاد فرصة الدفع بالأكفاء ويضعف همة المجدين ويوهن عزائم المجتهدين ويثنيهم عن مواصلة بذل الجهد ومواصلة العمل ويوسد الأمر لغير أهله وهو ما حذرنا منه رسولنا الكريم بقوله :" إذا وسِّد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة"..فليس أسوأ من إسناد الأمر لغير أهله؛ فذلك نذير بانهيار الأمم يقول الله تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب"(الزمر:9).

لقد أصبح الغش كما الدروس الخصوصية أخطر مشكلات العملية التعليمية ومن ثم فلا مناص من دراسة الأسباب ووضع الحلول المناسبة لها من خلال خبراء متخصصين فلا يؤتمن غشاش ولا يوثق فيمن يسرق جهد غيره أو يستحل ما ليس من حقه.

لقد أعجبتني تصريحات د.رضا حجازي وزير التعليم حين قال بوضوح: إن المعلم هو أهم عناصر المنظومة التعليمية لذلك فإن الوزارة ستبذل ما في وسعها لتأهيل المعلمين واستحداث آليات للتدريب على أحدث المهارات لكي تتوافق مهارات المعلم مع العصر الحديث فلا بديل عن دور المعلم في المصري إذا أردنا تحسين جودة التعليم ومكانته.

الوزير أكد أن التعليم ركيزة بناء الإنسان المصري المواكب والمعاصر والمنافس، كما يستحوذ على مساحة ذات اعتبار من اهتمام المجتمع بقضايا تطويره وإصلاحه وهذا ما تؤكده القيادة السياسية دوماً بضرورة الاهتمام بالتنشئة السليمة لبناء الوطن وإعطاء كل ذلك الأولوية ضمن الأجندة السياسية للدولة.

إن التعليم قبل الجامعي يمر حاليًا-والكلام لوزير التعليم- بمرحلة تطوير شاملة تهدف لإحداث تغيير وإصلاح جذري في معطياته ومخرجات وجوانبه كافة.

وقد أعجبني أيضاً ما قاله الوزير بأن العام الدراسي الجديد لن يبدأ إلا وكل الأمور محسومة ومحسوبة؛ موعد الامتحان وشكله وآلية التقييم، مؤكدا أن التابلت يتيح مواد تعليمية ومصادر معرفية متنوعة للطالب ، وأن الوزارة بصدد وضع إطار للاستغناء عن الدروس الخصوصية وقال :" سنقول للطالب هذا هو المنهج بتاعك وهذه فيديوهات ممكن تلجأ ليها ، وسنوظف التابلت للاختبارات الشهرية للصف الثالث الثانوي، وأن مشروع تطوير التعليم بدأ ولا رجعة فيه، هذا مشروع دولة بدأ منذ ال"كي جي وانKG1 " حتى وصل الصف الخامس الابتدائي، وسوف يكون هناك اهتمام خاص بالتعليم الفني بحسبانه قاطرة التقدم لأي دولة، وأن الوزارة ستجري حوارات مستمرة مع أطراف العملية التعليمية (المعلم، أولياء الأمور، أساتذة التربية والمفكرين) وكلهم لابد أن يشارك في عملية التطوير.

ويبقى الأهم في رأيي أنه لن يحدث أي تطوير منشود إلا إذا ذهب التلميذ لمدرسته ولم يغب عنها كما حدث في السنوات الماضية، وأن يتواجد المعلم في الفصل يتحاور مع تلاميذه ويشرح لهم المنهج بيسر كما كان يحدث في الزمن الجميل..ولن يتحقق شيء مما نصبو إليه إلا إذا ارتقينا بالمعلم وكليات التربية التي أنشأتها الدولة وهي كثيرة ولم تستفد منها حيث نشكو من قلة المعلمين ..ألا تحتاج هذه الكليات تطويراً مماثلاً لتخريج معلمين تروبويين معاصرين لزمانهم ليسدوا نقصاً في هيئة التدريس..نريدها وزارة للتربية قبل التعليم فعندما تكون هناك تربية سيكون هناك بالضرورة تعليم جيد وأخلاق حسنة ومدرس قدوة وتلميذ مطيع راغب في التعلم بحق..ولابد من عودة الأنشطة الرياضية والترفيهية التي كنا نراها في الزمن الجميل حتى تعود المدرسة مكاناً جاذباً ومحببا لنفوس الطلاب وتلك من بديهيات العملية التعليمية في كل الدنيا.

إذا أحب التلميذ مدرسته حرص على الذهاب إليها والانتفاع بما يقدمه معلموها من علم نافع وقدوة أخلاقية حسنة ولن نرى تسرباً من التعليم ولا هجرة المدارس للسناتر والدروس الخصوصية..نريد جيلاً واعياً حريصاً على التعلم والإبداع ومحاكاة القدوة الحسنة من المربين والمعلمين ومن دون ذلك لن تبنى مصر ولن نستطيع مواكبة تطورات العصر من حولنا.

يحدونا أمل كبير في وزير التعليم "المعلم" بالأساس، والفاهم لتفاصيل ومتطلبات العملية التعليمية والتربوية وأظنه لن يسمح بأن تستمر متاعب الثانوية العامة لتكدر صفو المصريين وتمثل عقبة كئوداً في طريق أبنائهم تستنزف الجهد والمال بلا جدوى حتى أن الدروس الخصوصية تلتهم معظم دخل الأسر التي تفضل تعليم أبنائها والإنفاق عليهم و في سبيل ذلك قد تحرم نفسها حتى من علاج ضروري هي في أمس الحاجة إليه لكنها لا تجد ثمنه..صدقوني لو نجح الوزير الجديد في إنهاء هذا الكابوس وعلاج هذا الخلل فلسوف يحقق السعادة المفقودة لملايين الأسر وسوف يسهم في فك عقدة فشل كثيرون قبله في التعامل معها..حفظ الله حفظ الله الوطن.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة