من الألف إلي الياء
دوام الحال أصبح وأمسي وفقا لمعطيات الواقع من المحال، ويبدو أن قارة أوروبا ،ديار التمدن والتحضر على موعد مع الأوجاع والأزمات المتتالية.
وقد فاقم آلام وعمق جراح القارة العجوز كارثة جفاف الأنهار والتي ضربت معظم أنهارها الحيوية كنهر السين والراين وإلبا والدانوب أو ما يطلقون عليه نهر العواصم وغيرها ، وذلك نتيجة للتغيرات المناخية العالمية واختلال أحزمة المطر والتي لم تشهدها القارة قبل مئات السنين.
وتدور الدوائر وتقضي الأيام مابين أهلها فلم تعد هناك دول فقيرة ودول غنية في مأمن تام من تقلبات الطبيعة والسياسة، فلم تستفق القارة العجوز بعد من تداعيات وآثار وباء كورونا ، ومن آثار التداعيات الخطيرة لحرب أوكرانيا المتصاعدة ،حتي كشرت الطبيعية عن أنيابها ،وجفت أنهارها الفياضة في كارثة مناخية غير مسبوقة ، حيث توقفت الملاحة التجارية والسياحية.
وبدا المشهد مؤلما حين ظهرت أحجار الجوع والأحزان بقعر هذه الأنهار بعد انحسار مستوي المياه بمعدلات قياسية ،معلنة عن أسوأ كارثة مناخية وطبيعية ،والتي رصدت عشرات المرات التي أصيبت فيها هذه الأنهار بموجات جفاف حادة، ونقشت علي جدرانها تورايخ متعددة في النصف الأول من القرن العشرين وآواخر القرن التاسع عشر وأخري بالقرن السابع عشر.
وقد تسبب السفن المتهالكة الغارقة إبان الحرب العالمية الثانية عن إعاقة حركة الملاحة البحرية علاوة علي تخفيف أحمال بعض السفن التجارية وتوقف معظم السفن كبيرة الحجم ،علاوة علي الخسائر المادية،التي قدرت بما يقارب التسعين مليار دولار.
وهناك أخبار متداولة عن أزمات غذائية جديدة وزيادة أسعار المياه المعدنية،بل واختفائها في بعض المناطق من دول الاتحاد الأوروبي المنكوبة!.
،وللأزمة صورة موجعة اخري تتمثل في الإجراءات الترشيدية القاسية لتجنب شح وندرة المياه،مثل تجنب ري الحدائق العامة ،وغسيل السيارات،وغيرها ،وفرض عقوبات قاسية للمخالفين!.
ولأزمة الجفاف الأوروبي أبعاد متعددة وتأثيرات سلبية علي حركة الصادرات والورادات،وعلي صور وأنماط التبادل التجاري علي مستوي دول القارة العجوز ،وعلي المستوي الإقليمي والأممي يزيد من وطأة وآثار الحرب الاقتصادية المستعرة.
ومما أضفي علي المشهد الأوروبي المزيد من الضبابية مأساة إضطرار عدة دول أوروبية كفرنسا وألمانيا وإنجلترا وغيرها للعودة من جديد لاستخدام الفحم ، وتشغيل محطاته التي عفا عليها الزمن لتعويض نقص إمدادات الطاقة والغاز، مما سيعمق أزمات القارة العجوز وينذر بكوراث ،ومآسي مناخية جديدة !
كما أن دول أوروبا لم تبرأ بعد من أزماتها وأسقامها الديمجرافية التي أحدثت خللا في التركيبة السكانية ، بعد التراجع الملحوظ في أعداد الفئة العمرية من الشباب ،مما دفعها إلي التفكير جليا في تجديد شبابها واستثمار تفشي وباء كورونا وإعطاء الأولوية في العلاج للأجيال الجديدة علي حساب الشيوخ والعجائز، تحت شعار وفكرة قناعة الانتخاب الطبيعي !.
وظهرت أصوات متعقلة بضرورة إعلاء القيم الأخلاقية وعودة بناء الأسرة من جديد لتعويض هذا الخلل الذي يهدد حاضرها ومستقبلها المجهول!.
كما عانت أوروبا لسنوات عديدة من تبعيتها المطلقة لهيمنة وتسلط سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وأصبحت لا تمتلك إرادة الرفض ،و أن تقول "لا"، وفقا لمصالحها الفعلية الآنية والاستراتيجية.
وعلاوة علي هذا الجفاف الأخلاقي والسياسي أصبح وصار الجفاف وآثار ظاهرة التغيرات المناخية كارثة عالمية تتفاقم يوما بعد يوم ،وهناك تخوفات جديدة تعمق المشهد المظلم ،فيبدو أن السماء ستعيد سموم البشر إليهم من جديد فقد أكدت دراسة غربية حديثة أن مياه الأمطار لم تعد صالحة للشرب والاستخدام الآمن ،والتي تعد أحد أهم مصادر المياه على سطح الأرض، فهي الرافد الرئيس للبحيرات والأنهار والمياه الجوفية.
الدراسة أجرتها جامعة ستوكهولم في السويد، وأظهرت أن معظم مياه الأمطار تحتوي على مواد كيميائية خطرة، تسمى "مواد الإكليل المشبع بالفلور ومتعددة الفلور"، أو ما يُعرف اختصاراً بـ "PFAS".
وقالت الدراسة إنه من الصعب تحديد جميع الآثار الصحية طويلة الأمد للتعرض لمواد "PFAS"، لأنها تشمل العديد من المركبات المختلفة، مؤكدة أن انتشارها يشكل خطراً على صحة الإنسان.
ويؤكد الخبراء أن هذه المواد تستخدم في العديد من الصناعات، مثل تغليف المواد الغذائية والإلكترونيات ومستحضرات التجميل، وهي تنبعث في الهواء من المعامل أثناء عمليات التصنيع، ومنها تصل إلى الغلاف الجوي، لتعود الى الأرض على شكل "أمطار حمضية" تتسرب إلى المياه الجوفية ومياه المحيطات، وبالتالي فإن السماء تعيد سموم البشر للأرض مع الأمطار !.
والأمر "المخيف" في الدراسة، هو أن الباحثين وجدوا أن هذه المواد الكيميائية، قد انتشرت في جميع أنحاء الغلاف الجوي و"كل مكان على وجه الأرض" وحتى الأماكن التي كانت تعتبر نقية مثل القارة القطبية الجنوبية أو "أنتاركتيكا"، مما يعني أن نوع التلوث هذا يأتي من أماكن بعيدة وتحمله الغيوم والرياح وتذهب به إلى كل أرجاء الكرة الأرضية.
وعلاوة علي مسؤولية المصانع ، فهناك مسؤولية يتحملها الإنسان، من خلال استخدامه للمبيدات والمغذيات الزراعية مثل النيتروجين والفوسفور التي تتسرب للمياه الجوفية فترفع أيضاً من حموضتها.
وماذا بعد كل هذه المآسي التي تنتظر القارة العجوز وكل دول العالم ، أتصور ضرورة مراجعة كافة السياسات علي كل المحاور ،وعقد هدنة دهرية لمدة زمنية لا تقل عن عشر سنوات من خلال عقد اجتماعي أممي ووقف الصراعات والحروب واستزاف الموارد البيئية وتحجيم كافة صور التصنيع كثيف الانبعاثات للمواد الكيميائية ولصناعة الأسلحة بكافة أنواعها
،وضرورة التحرك الجاد لكافة لمنظمات الأمم المتحدة لاتخاذ قرارات دولية فاعلة وغير مسيسة ، قبل فوات الأوان، وتدشين مقاربات واستراتيجيات شاملة تعيد النظر بطريقة عمل المصانع واستخدام مواد صديقة للبيئة والبشر، والاعتماد أكثر على الطاقات المتجددة والنظيفة..لعل وعسى !.
واعتقد أن ما يحدث يأتي في إطار إشارات السنة الكونية وإرادة التقنين والتأديب الإلهي لبني البشر، بعد ظهور الفساد في البر، ولمن كان دأبهم الغرور والكبر، واستمرأوا الظلم والهيمنة اختيالا بما وصلوا إليه من ثورة تكنولوجية،وأسباب للعلم والتمدن والحداثة،لكن هيهات،فلم تجد نفعا في أزمات كثيرة ومتتابعة.
وصدق الله العظيم
{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.