سواء اتفقنا او اختلفنا علي توصيف ما يسمي ب" ثورات الربيع العربي" الا اننا قد نتفق علي حقيقة واحدة جازمة افرزتها التداعيات سنوات ما بعد عام ٢٠١١، وهي ان بقاء الأمم مرهون بقوة جيوشها الوطنية، ولنا في يحدث من حولنا القدوة الحسنة..
العراق التي احتٌلت في عام ٢٠٠٣ بمزاعم امتلاكها أسلحة نووية، لم تسقط فعليا الا بعدد قرار الحاكم العسكري الأمريكي بول بريمر، بحل الجيش العراقي وتسريح افراده ومنتسبيه، هنا كانت الكارثة التي اضاعت العراق الي اجل غير مسمي.. وكل ما يحدث علي الساحة الداخلية من صراعات وصدامات سياسية كان سيظل محصورا في دائرة الخلافات السياسية لو لم يتم حل الجيش العراقي..فهو الوحيد الذي كان قادرا علي حماية الاستقرار والامن السياسي بما يمتلكه من قدرة وقوة، لكن الان يمكن بكل بساطة انهاء قلب الطاولة السياسية بمجرد رفض احد مكونات السلطة أي قرار لا يتناسب مع توجهاته.
هذا المشهد يتكرر في اليمن بشكل كبير وفي سوريا بدرجة اقل نظرا لاحتفاظها بالجزء الأكبر من جيشها من السقوط في دوامة الصراعات العرقية.. لكن في ليبيا فأن الوضع يبدوا اكثر قتامة.. فهي دولة تمتلك مساحة جغرافية تزيد عن مساحة مصر ، مع تعداد سكاني لا يتجاوز ال١٠ مليون نسمة حسب اخر إحصائية، وبالرغم من انها كانت تمتلك ترسانة عسكرية متطورة لكنها في المقابل لم تمتلك المقومات البشرية اللازمة لادارة تلك الترسانة، وتجلي هذا في الصراع الذي اندع بين ليبيا وتشاد علي شريط اوزو الحدودي المتنازع عليه.
الحديث عن ليبيا، غاية في الأهمية ليس فقط لانها تمتلك مع مصر أطول حدود تصل الي اكثر من ١٠٠٠ كليومتر، بل لانها أيضا كانت ولا زالت تستوعب الكثير من العمالة المصرية، ما يدور هناك يظل علي أولويات صناع القرار السياسي المصري، الذين يصرون علي ان الحل في ليبيا يبدأ من خروج كل المرتزقة الأجانب والمسلحين، ودعم المؤسسات الوطنية وعلي رأسها الجيش الليبي الوحيد الذي له الحق في امتلاك السلاح لحماية الوطن.
توحيد المؤسسات العسكرية الليبية وفق أسس وطنية سليمة، ولاؤه للوطن،يعمل تحت سلطة مدنية منتخبة من الشعب الليبي، من دون أن يتدخل في الشؤون السياسية الداخلي،هدف يجب ان يساهم جميع الفرقاء فيه، مع ضرورة الاستفادة من الخبرات الدولية؛ بما يحقق تطويره وتأهيل منتسبيه، لانه الضامن الوحيد لمبدأ السيادة الوطنية، والقادر علي تحقيق آمال هذا الشعب في الاستقرار والتنمية والعيش الكريم.
منتصف الشهر الماضي ناقش قادة عسكريون من غرب ليبيا وشرقها خلال اجتماع نادر في طرابلس، تسمية رئيس أركان واحد لتوحيد المؤسسة العسكرية في البلاد، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ الانقسامات التي تعانيها البلاد منذ 11 عاماً. وجرت المحادثات بين وفد يرأسه الفريق أول عبد الرزاق الناظوري، رئيس أركان قوات المشير خليفة حفتر (شرق)، وآخر برئاسة الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان القوات العسكرية في غرب البلاد. وتم التأكيد على ضرورة خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من البلاد، وتم أيضاً إقرار تفعيل القوة المشتركة التي جرى الاتفاق بشأنها في اتفاق وقف إطلاق النار الساري بين الطرفين. كما اتفق الطرفان على وضع خطة لبدء تسيير دوريات حدودية لحماية الحدود الليبية ومنع الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة ومكافحة الإرهاب، وفقاً للبيان.
هذا التقدم الذي تم احرازه في المسار الأمني الليبي نحو مؤسسة عسكرية موحدة يمثل خطوة جيدة علي الطريق الصحيح، وربما يمثل بادرة في انهاء الانقسام في ليبيا مع وجود حكومتين متنافستين، الأولى في طرابلس انبثقت من اتفاق سياسي قبل عام ونصف العام يرأسها عبد الحميد الدبيبة الرافض لتسليم السلطة إلا إلى حكومة منتخبة، والثانية برئاسة فتحي باشاغا عيّنها البرلمان في فبراير الماضي ومنحها ثقته في مارس وتتخذ من سرت (وسط) مقرّاً مؤقتاً لها، بعدما مُنعت من دخول طرابلس رغم محاولتها ذلك. لا يوجد أي مشكلة من وجود فرقاء وخلافات ، لكن ان يكون هناك اتفاق علي اعلاء المصلحة العليا للبلاد وتوحيد قوتها العسكرية التي هي السبيل الوحيد لبقاء البلاد.