رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

لا ينكر أحد الدور الكبير الذى تلعبه المؤسسات الزكوية المنتشرة فى كل محافظات مصر فى تفعيل هذه الفريضة لتحقيق أهدافها الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية التى شرعت من أجلها، حيث تكتسب هذه الفريضة أهمية خاصة فى حياة المجتمعات الإسلامية فى أوقات الشدة والرخاء.

وإذا كان القرآن الكريم قد لخص أهداف فريضة الزكاة فى العبارة الموجزة: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها".. حيث جعل الخالق سبحانه العلة الأولى والأثر الأول لفرض الزكاة على القادرين ماديا هو: "تطهير الأموال مما يكون قد شابها من شوائب، وتطهير النفوس والأبدان مما عساه أن يكون قد وقع منها أثناء جمع المال، وتزكية النفس والروح وتخليصهما من العبودية للمال والضن به، وتعويدها السماحة به، وتقديمه لله تعالى بنفس راضية، وروح تهفو إلى ما عند الله تعالى، فما عند الله خير وأبقى".

لقد تبارى أساتذة وخبراء الاقتصاد فى بيان الآثار الاقتصادية لفريضة الزكاة فى كل مجتمع يضعها على خريطة أولوياته، فى كل وقت وتحت كل الظروف، وخاصة تلك الظروف الاقتصادية الصعبة التى تعيشها كثير من دول العالم الإسلامى الآن حيث يؤكد الخبير الاقتصادى د.عزالدين فكرى دور وفاعلية الزكاة فى علاج مشكلة (الركود التضخمى) الذى تعانى منه الاقتصاد العالمى وبالتالى اقتصاديات الدول الاسلامية من خلال تحصيل الزكاة نقدا (مما يحد من التضخم) وانفاقها عينا في صورة ادوات انتاجية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والحرفيين (مما يسهم في زيادة الانتاجية والناتج المحلي ويحد من البطالة).

يجب أن تكون لدى الإنسان البسيط غير المتعمق فى أمور الدين أو الاقتصاد قناعة تامة بأن الحرص على الزكاة يخلص المجتمع من آفات ومشكلات نفسية واجتماعية وأمنية كثيرة، فهى تنزع عوامل الحقد والحسد والكراهية من نفوس الفقراء تجاه الأغنياء.. فما دام الغنى يعطف على الفقير ويقدم له ما يعينه على أن يفى بمتطلبات نفسه وأسرته.. فلماذا يحقد عليه ويحسده؟.. وما زلت أذكر مشهدا رائعا لمجموعة من حراس العمارات فى شارع الملك فيصل فى منطقة الهرم عندما هبوا جميعا لإطفاء حريق فى محل تجارى كبير ليلا بعد غلق صاحبه له وانصرافه وكانوا يتسابقون للقيام بإخماد الحريق وهم يرددون "صاحب هذا المحل خيره علينا كلنا"، وبالفعل تمكنوا من إخماد النيران قبل حضور سيارات المطافى وكان هذا ببركة ما يقدمه صاحب المحل من زكوات وصدقات وعطفه على فقراء المنطقة.

خلاصة هذا المشهد أن ما يخرجه الإنسان من زكوات وصدقات سيعود عليه حتما أجر وثواب من الخالق سبحانه، وسيعود على ماله بركة وحفظ من الهلاك.. وما أعظم أن يبارك الله فى القليل ليشبع به حاجات صاحبه وحاجات أصحاب الحاجات.

**

لقد شاهدنا فى المجتمع المصرى مؤسسات وبيوت وجمعيات للزكاة تؤدى أدوارا كبيرة لأصحاب الحاجات يتقدمها "بيت الزكاة والصدقات المصرى" الذى يقدم عطاء خيريا فى العديد من الاتجاهات.. عطاء ضخما للغاية لا تستطيع أن تفى به سوى مؤسسة تمتلك كل عوامل النجاح وفى مقدمتها "ثقة أهل الخير والعطاء" فالمؤسسة الخيرية يديرها مجلس إدارة من شخصيات مصرية مرموقة، ويشرف عليها الإمام الأكبر د.أحمد الطيب شيخ الأزهر، وهى هيئة مستقلة لها شخصية اعتبارية تمتع بالاستقلال المالي والإداري.

والواقع أننا فى أمس الحاجة الى مؤسسات خيرية من هذا النوع لتتلقى أموال الزكاة والصدقات والتبرعات والهبات والوصايا والإعانات الخيرية وتنميتها، وصرفها في وجوهها المقررة شرعا وحسب أولوياتها، وهذا يتطلب التوعية بفريضة الزكاة ودورها في تنمية المجتمع، وبث روح التكامل والتراحم بين أفراد المجتمع المصرى وهذا جانب دعوى توجيهى يجب أن يقوم به العلماء والدعاة فى كل المواقع لحث الجماهير وتذكيرهم بفريضة الزكاة وفضل الصدقة فى مجالات الخير المتعددة.

نعم.. توافر عوامل الثقة من الأمور المهمة فى مؤسسات وجمعيات الزكاة ولا شك أنه لولا وجود شخصيات مصرية محترمة "دينية واقتصادية وقانونية" فى إدارة بيت الزكاة والصدقات المصرى لما استطاع أن يجد كل هذا الدعم من أهل الخير فالبيت يتلقى الجنيهات القليلة الى جانب الملايين من المصريين الذين يتسابقون بحسهم الدينى والاجتماعى فى توفير احتياجات الفقراء والمرضى وطلاب العلم والأمراض المزمنة.. فضلا عما يقدم من مساهمات لتوفير مقومات الحياة الكريمة لأهلنا فى الريف.

اطلعت على نص مشروع بيت الزكاة والصدقات فوجدته ينص على حظر صرف ما يتم تحصيله من أموال الزكاة في غير مصارفها المحددة شرعاً، ومجلس الأمناء يتابع ويراقب ويوجه حصيلة ما يتم جمعه من زكوات وصدقات، ويتولى مراجعة حسابات البيت أحد المكاتب المقيدة بجدول المحاسبين والمراجعين، وللمكتب حق الاطلاع على دفاتر وسجلات مستندات البيت، وطلب البيانات التي يراها ضرورية لأداء واجبة، على أن يعد المكتب تقريراً بنتائج أعماله، يعرضه على رئيس مجلس أمناء البيت، ويخطر به شيخ الأزهر.

لا شك أن وجود شخصيات عامة متطوعة من ذوى الخبرة فى النواحي الاقتصادية والمالية والفنية والقانونية وإدارة الأعمال وغيرها من النواحي ذات الصلة فى مجالس أمناء بيوت وجمعيات الزكاة يضاعف من الثقة فيها، وهذا ما نتطلع إليه فى كل هذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية.

نجاح بيت الزكاة والصدقات فى أداء مهمته وتطلعاته التى لا تتوقف لعطاء أكثر يؤكد أننا أمام نموذج لما ينبغى أن تكون عليه مؤسسة الزكاة من استقلالية ونزاهة وشفافية والتزام بالقواعد والضوابط الشرعية والانضباط الإدارى والقانونى، فأية مؤسسة زكوية يجب أن تخضع لرقابة شرعية وقانوية ومحاسبة صارمة لأن هذا سيضاعف من ثقة المزكين والمتصدقين بها.

**

على كل إنسان مطالب بالزكاة شرعا أن يراجع نفسه وخاصة بعض أهل الثراء من فنانين ولاعبى كرة ومستثمرين وتجار وغيرهم ممن يحجمون عن الزكاة والصدقة.. فنحن فى حاجة ماسة الى حملات توعية لا تتوقف لحث الجماهير على اختلاف مستويات حالاتهم الاقتصادية على المبادرة بإخراج ما عليهم من زكوات والجود بما هو فوق الزكاة وهو "الصدقة"لأن الفريضة التى قررها الخالق وتتعدد وتتنوع مواردها تكفى أصحاب الحاجات فى مجتمعاتنا وتفيض، فأصحاب الحاجات المستحقون للزكاة يتزايدون، والسبب أن 80% من القادرين الذين تجب عليهم الزكاة لا يخرجونها كما أشارت الى ذلك دراسة جامعية بالأزهر مؤخرا!!

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة