(معاً للمستقبل)
الإعلام، شأنه شأن كل التخصصات الأخرى، هو علم وموهبة وفن ومقومات نجاح لا تتحقق بدونها الغاية المرجوة منه في التوصيل والتأثير وصناعة الوعي وصيانة الرأي العام ومن ثم الأمن القومي للبلاد-أي بلاد- من رياح الشائعات والأكاذيب التي يصنعها ويروج لها من لا يرجون لهذا البلد أو ذاك خيراً ولا استقراراً.
لكن الواجب شيء والواقع عندنا شيء آخر تماما، فقد تكالب على الإعلام والصحافة دخلاء أحدثوا فيهما ما لم يكن يخطر ببال؛ فتراجع التأثير والمصداقية.
الإعلام صار بكل أسف مهنة من لا مهنة له؛ فليس التخصص العلمي شرطاً لكي تصبح صحفياً أو مذيعاً؛ بل الأهم كيف تصل للميكروفون وكيف تحجز مساحة للقلم في المواقع والصحف.
في زماننا والعيب ليس فيه وإنما فينا، الكل أصبح صحفياً أو إعلامياً في غيبة المعايير بصرف النظر عن الكفاءة والاستحقاق والمهارة والملكات، ولم نجد أثرًا لا لنقابة الصحفيين ولا نقابة الإعلاميين بوصفهما حامى حمى المهنة وراعيها الأول.. والنتيجة ما نرى من بطالة بين أهل التخصص وفيهم الأوائل ذوو المواهب والقدرات الإعلامية والعلمية الفذة وهم الذين أنفقوا جهدهم وأموالهم في التحصيل الدراسي وراودهم حلم الحصول على وظيفة مستحقة على الشاشات و في الصحف والمواقع؛ لكنه- أي الحلم- تبدد هباء منثوراً..فالدراسة شيء والواقع شيء آخر تماماً..فقد استحوذ دخلاء الإعلام والصحافة على وظائف كان الأولى بها خريجي ذلك التخصص الذي أعجب أشد العجب من التوسع في كلياته وأقسامه وآخرها قرار جامعة شمس باستحداث كلية للإعلام ..فهل درس القائمون عليها هذا القرار..وهل السوق الإعلامية قادرة على استيعاب خريجي هذه الكلية..ألا يكفي ما يعانيه خريجو الإعلام والصحافة من متاعب البطالة وقلة المتاح من وظائف إعلامية حتى ينضم إليهم طابور جديد من المتعطلين ..وما الأجدى لمصر كليات علمية وتقنية وإنتاجية تلبي احتياجات سوق العمل وتراعي الظروف الاقتصادية الحالية أم كليات نظرية لدينا من خريجيها مئات الآلاف الذين لا يجدون عملاً بتخصصاتهم التي عفا عليها الزمن ؟!
ألا يدعو واقع المهنة- صحافة وإعلاماً- أن يتنادى القائمون عليها لوضع روشتة إصلاح يجرى مناقشتها وتبني محاورها في جلسات الحوار الوطني الذي يتولى أمانته نقيب الصحفيين ذاته..أليست تلك فرصة ذهبية لوضع حلول لمشكلة من أخطر ما تواجهه بلادنا في هذه الآونة بعد زحف جحافل من الدخلاء على الصحافة والإعلام بلا معايير حاكمة رغم ما تبذله نقابة الصحفيين من جهد وتدقيق في اختيار العضويات الجديدة في صفوفها.
ما يثير الدهشة والأسى أن تجد من يسمى نفسه "كاتباً صحفياً" وما أكثرهم.. وربما لا يدرى هؤلاء أن الصحفي حتى يصل لمنصب رئيس قسم أو نائب رئيس تحرير أو يكون كاتب رأي وتخصص له مساحة في صحيفة فلابد أن يجتاز اختبارات كثيرة تحتاج جهداً جهيداً وتدقيقًا وتمحيصًا وخبرة طويلة حتى يتحقق له ذلك وكان نواب رئيس التحرير لا يتجاوزون في أي جريدة أصابع اليد الواحدة ، وهذا ما أعرفه لكوني تخرجت في إعلام القاهرة وعملت بصاحبة الجلالة ما يزيد على 40 عاماً تدرجت خلالها في المناصب حتى وصلت لرئاسة مجلس إدارة دار التحرير(الجمهورية) ..لكن ما نراه اليوم هو عكس ذلك تماماً؛ فالكثرة صاروا نواباً لرئيس التحرير حتى أصبح المحرر عملة نادرة..!!
الإعلام والصحافة مهنة سامية ورسالة راقية تعتمد على الأخلاق والكفاءة والخبرة وتقتضي الممارسة وتستوجب الإنتاج وتحتم الاحترافية والمصداقية ..فهل تترك نقابة الأطباء مثلاً شخصاً يمارس الطب دون أن يحمل شهادة تؤهله لذلك..وهل تتغاضى نقابة المهندسين والجهات الرقابية عن خريج تخصص في العلوم الاجتماعية ويعمل مهندساً ..وهل تسمح نقابة المحامين بأن يمارس شخص المحاماة دون تدريب وامتحانات ورخصة تؤهله للعمل.
الإعلام بحسبانه المؤتمن على ضمير الأمة ووعيها وعقلها ورأيها العام أولى بأن يحاط بسياج من التدقيق والتمحيص والخبرة حتى يتمكن من أداء الرسالة باقتدار في زمن كثر المقلدون وازداد المهرجون وبات مهنة من لا مهنة له، حتى بات لاعب الكرة والراقصة والشيف أو الطباخ أوموظف العلاقات الاجتماعية والأمن مذيعاً أو إعلامياً أو صحفياً مع كامل الاحترام لهؤلاء جميعاً الذين حصل أغلبهم على شهادات جامعية من التعليم المفتوح.
ويبدو طبيعياً في سياق يتسم بكل هذه السيولة أن نعيد التذكير بأجواء مهنية كانت منضبطة في إجراء مقابلات دقيقة مع مراسلي الصحف والتليفزيون قبل اعتمادهم مهنياً قبل أن يختلط الحابل بالنابل ويزداد الأمر سوءًا باقتحام التكنولوجيا فائقة التطور حياتنا وجاءت بإعلاميين مقلدين وصحفيين مغشوشين وكتاب وهميين تسربوا لمهنة عريقة أقام عمادها رواد وعمالقة وقامات فكرية وثقافية يشار لها بالبنان.
دخلاء المهنة زاحموا أهلها وأطلقوا على أنفسهم لقب الإعلامي والكاتب الصحفي وربما المفكر والإعلام منهم براء بعد أن شوهوه وأفقدوه القيمة والمصداقية والتأثير الحقيقي حتى بات هذا الإعلام لا يحتمل مزيداً من الدخلاء والجهلاء في بلاطها وقد آن الأوان أن تتحرك النقابات المعنية لوضع حد فاصل بين الإعلاميين الأصلاء والمزيفين الدخلاء.
ومع غواية الشهرة وحب الظهور تنازل كثير من القنوات الإعلامية المصورة والمقروءة والمسموعة عن معايير اختيار المذيع الكفء والكوادر المهنية وانخرط فيها من لا تتوافر فيه أدنى معايير الإعلام الرشيد أو أدب الحوار..ومن أسف أن الغلبة في الوسط الإعلامي صارت لمن يملكون أدوات الوصول وليس ملكات ومؤهلات التأثير والقبول.
هناك شباب تخرجوا في كليات وأقسام الإعلام والصحافة تامختلفة هنا وهناك، وحصلوا على أحدث الدورات المتخصصة وتتلمذوا على أيدي مختصين وإعلاميين مشهود لهم بالكفاءة المهنية والسمعة المرموقة لكنهم يعانون مرارة البطالة في وسط يعج بأنصاف المواهب والمتعلمين الذين قفزوا على وظائف غير جديرين بها ولا هم أهلها ..فأي خسارة فادحة أصابت الإعلام جراء هذا الوضع المقلوب..وكيف يمكن وقف السيولة في منح أو اقتناص ألقاب مثل "إعلامي" و "مذيع" و"صحفي" وإحاطتها بمزيد من الضوابط الحاكمة كما نرى مع ألقاب مثل " الطبيب" و" المهندس" و "المحامي" احتراماً لهذا الإعلام، وحفاظاً على الذوق العام، وارتقاءً بالثقافة العامة للمجتمع.
صحيح أن التكنولوجيا الجديدة خلقت أوضاعاً مغايرة جعلت الإعلام بأنواعه ليس خالصاً لأهل التخصص من خريجي الإعلام ولا حكرا عليه شأن التخصصات الأخرى؛ إذ باتت مواقع التواصل الاجتماعي منصة سريعة ومطية جاهزة لمن يريد أن يمتهن العمل الإعلامي..ويبقى الحكم للجمهور الذي هو قادر بلا شك على فلترة المضامين الإعلامية وانتقاء أصلحها.
الإعلام تحول إلى سوق كبير مفتوح وصناعة ذات استثمارات ضخمة وساحة للتأثير والاستقطاب ؛ وهو ما يضاعف الحاجة لوضع ضوابط وقواعد وأصول أكثر دينامية وتربية و أخلاق حاكمة للممارسة المهنية؛ ولا مناص من إعادة التأكيد على أن الإعلام ليس سلعة هدفها الربح، ولا مهنة من لا مهنة له؛ حتى يتزاحم عليها دخلاء بلا موهبة ولا علم وربما بلا أخلاق ولا ذمة ولا مؤهلات حقيقية إلا النفاق وتشبيك العلاقات والمصالح الخاصة..ولا يجد المرء عناء كبيراً لتحديد مثل هذه النوعية من مقدمي برامج تليفزيونية يفتقرون لأدنى مقومات الجدارة والنجاح فلا جاذبية ولا تأثير ولا شعبية،وأقصى ما يملكون هو الزعيق والجعير والسب والشتم واللت والعجن وانتهاك الخصوصيات والخروج على الناس ببدعة الأكل بشراهة أثناء البرامج وهو ما ينطوي على استفزاز ممجوج لمجتمع يمر بظروف اقتصادية صعبة.
تداعيات عشوائية الإعلام كبيرة وغاية في الخطورة؛ ذلك أنها عبث مرفوض لا تقف آثاره السلبية فقط عند حدود إضعاف إعلامنا وسحب البساط من تحت قدميه وإفقاده المصداقية والقدرة على التأثير بل تتعداه إلى تشويه الوعي وتسفيه القيم ونبذ الحقائق وإزهاق روح المصداقية.
وليت دخلاء الإعلام والصحافة يدركون خطورة ما يفعلونه حتى على أنفسهم؛ ذلك أن الأضواء بقدر ما تقربهم للشهرة والنجومية وذيوع الصيت، بقدر ما يمكن أن تحرقهم إذا لم يكونوا مؤهلين للتعامل معها ، وقادرين على تحاشي آثارها السلبية.
افتقاد المعايير ومقومات المهنية الحقة فيمن ينخرطون في مهنة الإعلام والصحافة أضر ضرراً بليغاً بخريجي الإعلام وأقسامه وما أكثرها فوق طاقة سوق العمل التي تشبعت وتراجعت متأثرة بالظروف والكوارث والتحديات العالمية من جهة، وهو ما أضاع عليهم كثيراً من المال والجهد اللذين بذلوهما أملاً في الالتحاق بوظيفة طالما حلموا بها وتحرقوا شوقاً لبلوغها.. ومن جهة أخرى تطور وسائل التواصل الاجتماعي التي زاحمت وسائل الإعلام التقليدية بل وسحبت البساط من تحت قدميها، ومن جهة ثالثة تراجع الموارد المالية للصحف والفضائيات ولاسيما الإعلانية وأرقام التوزيع فيما الصحف كافة وتراجع جاذبية المحتوى وهو ما أضر بالمنظومة الإعلامية برمتها.
غياب تالحس الإعلامي ولا أقول الوطني ناتج عن غياب العلم والموهبة والخبرة وانعدام التدريب وعدم تناقل الخبرات أو تواصل الأجيا، والجهل بدور الإعلام ورسالته؛ بحسبانه علماً لا فهلوة، بل إنه أخطر المجالات قاطبة إذا ما نظرنا للأثر الذي يمكن أن يحدثه في تنمية وبناء المجتمع أو تخريبه وتشويش وعيه ونشر الإحباط بين أبنائه، وهو فوق ذلك كله جزء أصيل وكاشف لمنظومة ثقافية وفكرية وفنية تحدد وجهات الدولة وأولوياتها وتعكس المحتوى الفكري والسلوكي والثقافي لشعبها.
ما أحوجنا لإعلام قوي ذي مصداقية أكبر وأكثر قدرة على الجذب والتنافسية؛ إعلام يقوم على العلم والموضوعية والاحترافية والانحياز للوطن والمواطن ويكون ظهيراً للدولة في الشدائد والملمات والتحولات الكبرى والتحديات، وهو ما يحتاج لشخصيات تملك من الموهبة والخبرة والمقبولية ما يؤهلها للتربع فوق عرش القلوب والعقول قبل أن تتربع على عرش الميكروفون أو صفحات الصحف والمواقع ..فهل نجد مساحة أوسع لمناقشة قضايا الإعلام والصحافة على جدول أعمال الحوار الوطني الذي يدير دفته ابن المهنة نقيب الصحفيين الذي لا يخالجنا شك في احيازه للمهنة وانتصاره لقضاياها ومصالحها ومستقبل أبنائها الذي بات على المحك أكثر من أي وقت ِمضى.