(معاً للمستقبل)
الإعلام بوسائله المختلفة، وفي القلب منها وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تغييراً هائلاً في مجتمعاتنا؛ وهو تغيير أراه سلبياً بدرجة كبيرة؛ فأضراره أكثر من منافعه؛ حتى إن البعض يرى أنها وسائل التنابذ الاجتماعي؛ لما أحدثته من شروخ في العلاقات الأسرية؛ فازدادت الانحرافات وارتفعت معدلات الطلاق وازداد التباعد الاجتماعي وتفسخت العلاقات الإنسانية؛ فالموبايل خلق نمطاً جديداً من العلاقات قرّب البعيد وأبعد القريب وألهى الناس وزاد الشُقة فيما بينهم.
كم نحن في حاجة لدراسات اجتماعية ونفسية علمية تقيس الأثر السييء الذي أحدثته وسائط التكنولوجيا الحديثة في حياتنا؛ ذلك أننا انحرفنا بها عن غايتها؛ حتى باتت تهدد السلام الاجتماعي..الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً: كيف كانت العلاقات الاجتماعية في مجتمعاتنا وكيف أصبحت..وبصيغة أخرى هل كان الناس يعيشون في سعادة واستقرار وراحة ومأمن من الفضائح والشائعات قبل ظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة ومعها مواقع التواصل الاجتماعي..كيف كانت الخصوصيات مصونة بل خط أحمر..وكيف جرى انتهاكها وفضحها على الملأ بل على مرأى ومسمع من العالم كله..صوتاً وصورة؟!
هل يفعل العالم المتقدم ما فعلناه نحن بأنفسنا حين أضعنا ولا نزال الأوقات أمام شاشات الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، وأهدرنا القيم وقطعنا الأرحام حين اكتفى بعضنا برسائل واتصالات هاتفية بديلاً للزيارات واللقاءات الحميمية..وأفشى أسرار البيوت والخلافات وأحياناً الخيانات بين الأزواج والتي انتقل دويها للمجتمع فتأثرت الفضيلة واجترأت الرذيلة وتهدمت البيوت التى كانت مستقرة.
فعلياً.. يقول خبراء وباحثون ومختصون إن وسائل التواصل الاجتماعي تهدم العلاقات الاجتماعية ولا تبنيها، وتجعل المرء أكثر انشغالًا بصفحات افتراضية أكثر من اهتمامه بعلاقات الفعلية في واقعه الأصلي، وتصاعدت معها حدة التأثيرات السلبية التي أصابت العلاقات الزوجية والعائلية في مقتل بعدما دأب رواد تلك المواقع على نشر خصوصياتهم وتفاصيل حياتهم اليومية على الملأ جهاراً نهاراً دونما اكتراث ولا وعي؛ حتى إن أحدهم ذكراً كان أو أنثى لو ذهب للحج أو العمرة أو أصابته ضراء أو وعكة صحية طارئة قام بتصوير ذلك ونشره على الفيس من باب المباهاة والفخر أو كسب التعاطف ودفع الحسد أو لشيء في نفس يعقوب..وهو ما يعكس لامبالاة البعض بالخصوصيات وما يصح نشره وما لا يصح.
أما مخاطر إدمان البعض لمواقع التوصل الاجتماعي فحدث ولا حرج؛ فالنتيجة اكتئاب وأمراض نفسية مدمرة قد تقود للضيق والانتحار ..فحين تهرب من واقعك الحقيقي بحثاً عن سعادة وهمية فتصدمك وقائع افتراضية لتفشل في العودة سالماً لواقعك الحقيقي.
أما الأشد خطراً..فهو تدمير الصغار والشباب حين يتعرضون لغواية الأفكار المتطرفة التي هجمت علينا ملتحفة بزي التكنولوجيا بالغة التطور والتي لم نحسن توظيفها في وقت تخلت فيه الأمهات والمؤسسات التربوية عن تعهد الأبناء بالرعاية والتربية السليمة واختفت العادات والتقاليد الوسطية ..ناهيك عما تحدثه وسائط التكنولوجيا من تأثيرات حادة بنشر ألعاب إلكترونية تقود أبناءنا لفقدان الإحساس بالزمن وربما تقودهم لانتهاج العنف والقتل أو الانغماس في الرذيلة نتيجة ترويج محتوى جنسي منحرف كما تنتوي شركات عالمية كبرى نشر ألعاب تدعو للمثلية الجنسية، وتسعى لذلك بهمة ونشاط، غير عابئة بالأثر المدمر لذلك على المجتمع..فأي طامة أشد من ذلك ومن ينقذ صغارنا ..وأين البديل الجاذب الذي يغنيهم عن هذا الدمار المؤكد..؟!
تحولات خطيرة أصابت حياتنا الإنسانية؛ فأحدثت تغيرات رهيبة في أنماط علاقاتنا الاجتماعية وفي المشاعر وطرق الفهم في وقت نفتقد فيه صناعة القدوة والمثل العليا وهو الدور الأصيل لوزارة الثقافة والإعلام والشباب في وضع استراتيجية ممنهجة لعودة الذوق للمجتمع وتثقيفه كما أنه دور أصيل تخلى عنه جهاز الاتصالات وحماية المستخدمين في عهد الوزير الحالي بعد أن كان نشيطاً ملء السمع والبصر.
ومن أسف أننا غرقنا في غواية مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت من وسيلة للنفع وقضاء المصالح في سهولة ويسر وسرعة إلى أداة تساعد تنظيمات الإرهاب في نشر أفكارها الهدامة المحرضة على العنف والكراهية والاضطرابات والفوضى وهذا ما يندرج فيما يمكن أن نسميه أدوارًا خطيرة وشائكة لمواقع التواصل الاجتماعي التي تسهم في تضليل الرأي العام، وكان الأولى بنا أن نوظفها في صناعة الرأي العام المستنير وتشكيل صحيح الوعي..لكنها تحولت بفعل فاعل لمنصات تضليل إعلامي وتوجيه الرأي العام في بعض الدول بما يخدم مصالح دول وجماعات بعينها بعيداً عن الحقيقة ..مثلما تفعل جماعة الإخوان بنشر الأكاذيب والشائعات والأباطيل عبر السوشيال ميديا ..وليت الأمر توقف عند هذا الحد بل إن هناك ظاهرة أشد وأخطر وهي إنشاء حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة تتبنى مواقف محددة لتوجيه الرأي العام داخل دولة بعينها..كما تحولت تلك الحسابات إلى أدوات بيد بعض الحكومات للتأثير في مضامين الرأي العام في الداخل كما يحدث في الانتخابات حين يجري توظيف تلك المواقع لإطلاق شائعات وأخبار تحاول إما صرف الانتباه عن الاستحقاق الانتخابي برمته للتأثير على صورة أحد الأطراف تحقيقاً لمصالح أطراف أخرى.
ويبقى توظيف تلك المنصات الإلكترونية في نشر التطرف وبث الكراهية أخطر ما يواجه منطقتنا والعالم في هذه الحقبة وهو ما رأيناه عندما لجأت الجماعات الإرهابية لتلك المنصات لبث فكرها الهدام؛ ذلك أنها تجد فيها وسيلة رخيصة نسبياً وملائمة وآمنة لإيصال رسائلها؛ فضلاً عما تتيحه من وسائط متعددة مثل الصور والفيديوهات والمقاطع المسجلة وخصوصاً "تويتر" أهم وسائل التواصل الاجتماعي الذي يمتاز بقدرته على توفير مجتمعات افتراضية متغيرة تتيح لتلك التنظيمات حرية التفاعل والتنسيق والتخطيط لعملياتها الإرهابية وتجنيد العناصر الجديدة في صفوفها وبث الرسائل المطلوبة لقواعدها وخلاياها النائمة في كل مكان.
نشر الشائعات الهدامة في سهولة ويسر عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحدٍ حقيقي يمثل واحدة من المخاطر الناجمة عن سوء استخدام تلك الوسائل لاسيما مع تنامي ظاهرة الحسابات الوهمية التي لا يمكن السيطرة عليها بسهولة..ويكفي ما تعرضت له مصر من تدفق آلاف الشائعات التي أريد بها نشر البلبلة والإحباط وتدمير المجتمع من الداخل والإساءة لرموز وقيادات سياسية في عدد من الدول العربية.
وفي الأزمات والكوارث والأوبئة تتنامي ظاهرة توظيف تقنيات التكنولوجيا فائقة التطور لتحقيق أهداف معينة وقد شهدنا كيف جرى توظيف مواقع التواصل الاجتماعي خلال أزمة كورونا لنشر الشائعات وبث معلومات مغلوطة حول أعداد الإصابات بكوفيد 19 لاسيما في دولنا العربية ليس فقط للتشكيك في كفاءة منظومتها الصحية والوقائية وإنما لإظهار عجز وضعف حكوماتها أمام شعوبها واتهامها بغياب الشفافية وعدم المصداقية أمام المجتمع الدولي.
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في التحريض على الفوضى وزعزعة الاستقرار والأمن في عالمنا العربي بات شيئاً مألوفاً ولعل نموذج الربيع العربي أكبر مثال على ذلك التوظيف السياسي المقصود للسوشيال ميديا التي لم يتوقف استخدامها فقط على تحقيق التفاعل الإنساني بين البشر بعضهم بعضاً بل تجاوز الأمر ذلك إلى توظيفها في إدارة الصراعات والأزمات الدولية سواء من خلال بث الشائعات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يمكن أن تزلزل أعتى الاقتصاديات الكبرى فما باقتصاديات ناشئة.
وهنا يثور سؤال مهم : إذا كانت كل نظريات الاتصال والإعلام الحديثة تجمع على تنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي خاصة مع الثورة الرقمية لعالم اليوم ..فإنه من المهم والضروري العمل على تعظيم الاستفادة من الفرص التي تتيحها وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها أهم أدوات التنشئة السياسية للشباب وتشكيل الوعي لدى النشء والشباب..لكن ذلك يتطلب ضرورة ضبط تلك الوسائل وتنظيمها بحيث لا تتحول إلى منصات لنشر الفكر المتطرف والعنيف، أو نشر الشائعات التي تهدد استقرار مجتمعاتنا وأمنها.
ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن نطرح تساؤلات مهمة: إذا كان لوسائل التواصل الاجتماعي كل هذه الأهمية فلماذا لا ندرب شبابنا على طريقة الاستخدام الآمن لمواقع التواصل الاجتماعي ..وماذا يمنع تنظيم دورات متخصصة يشرف عليها خبراء متخصصون لتنمية الوعي لدى أجيالنا الجديدة بخطورة ما تبثه تلك الوسائل من سموم فكرية وإباحية هدفها هدم القيم واستقطاب عناصر جديدة لصفوفها عبر هذا المواقع..ثم لماذا لا تتولى وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والشباب والرياضة والأوقاف والأزهر الشريف بهذا الدور التنويري في المدارس والجامعات ومراكز الشباب والأوقاف..فهي الجهات الأقرب لصياغة الفكر والوجدان والعقل وبناء الإنسان..وتلك مهمة مجتمعية لا يستطيع طرف القيام بها وحده بل تحتاج لتضافرالجهود وتنسيق الإجراءات لإحداث التكامل المنشود عبر توظيف إمكانيات وطاقات تلك المؤسسات مجتمعة.
ومن المهم أيضاً تشديد عقوبة مروجي الشائعات التي تستهدف الأفراد والدول على حد سواء لاسيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر ويوتيوب وتيك توك وغيرها من الوسائط التكنولوجية التي لابد من توظيفها بكل همة ونشاط للتصدى للأيديولوجيا المتطرفة والأفكار الهدامة التي تستهدف النشء والشباب.
صدقوني ما أسهل توظيف التكنولوجيا في صد الهجمات الشرسة ضد بلادنا بنفس السلاح الفتاك ..الفكر بالفكر ..والحجة بالحجة..والتكنولوجيا بالتكنولوجيا ..فلا يفت الحديد إلا الحديد..كسب المعركة ممكن إذا صدقت النوايا واشتدت العزائم وأفلحت جهودنا في توظيف التكنولوجيا لنشر صحيح الفكر والثقافة والوعي وتحصين العقل ضد رياح التطرف والفساد .
لكل شيء في الحياة سلبياته وإيجابيات؛ ولابد من تعظيم الإيجابيات وتلافي السلبيات ..ومواقع التواصل الاجتماعي شأنها شأن كل شيء في حياتنا لها مزايا عديدة إذا أحسنا توظيفها لمعرفة ثقافات الشعوب ومعارفها وحضارتها وتجاربها في النجاح التي ينبغي استلهامها لبناء نهضتنا ، وتبادل الأفكار والآراء وتقريب المسافات وفتح الأبواب لإطلاق الإبداعات والمشاريع التي تحقق الأهداف وتساعد المجتمع على النمو والتقدم.
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أمر بات محتوماً في حياة الأفراد صغارا وكبارا، رجالا ونساء، ولا مفر من أن يتنبه المجتمع للمخاطر المحدقة الناجمة عن المواقع التي قد تدمر أجيالاً بأكملها؛ فمعظم النار من مستصغر الشرر ..وقد آن الأوان أن تتنادى القوى الحية في مجتمعنا لدرء مخاطر التكنولوجيا عن شبابنا وصغارنا حتى لا تتفاقم الهوة بين هؤلاء وأوطانهم وحتى لا نتركهم فريسة سائغة في أفواه أهل الشر ومن لف لفهم ..فالوقاية خير من العلاج..ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.