رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

سعدت كثيرا بما أعلنه البنك المركزى منذ أيام عن زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة من يوليو 2021 إلى مايو 2022، بنحو 2.1 بالمئة لتصل إلى 29.1 مليار دولار، مقابل نحو 28.5 مليار دولار في نفس الفترة من العام المالي الماضي، فتدفق تحويلات المصريين فى الخارج على البنوك المصرية يجسد حالة ارتباط المصريين بوطنهم، وثقتهم فى استقراره، واطمئنانهم على مستقبلة، ورفضهم للشائعات والأكاذيب التى تروج لها الأبواق الاعلامية المعادية للوطن كل يوم.

وتحويلات المصريين العاملين في الخارج أحد أهم موارد العملة الصعبة لمصر، وقد شهدت زيادة كبيرة خلال السنوات الماضية، وهى تعبر عن اطمئنان المصريين فى الخارج على أموالهم ونظام دولتهم المصرفى الذى يحظى بثقة المؤسسات الاقتصادية فى العالم، وتجسد أيضا رغبتهم فى استثمار أموالهم فى وطنهم بما يعود بالنفع عليهم أولا.. ثم على أهلهم وعلى المجتمع المصرى بشكل عام.

لذلك ينبغى أن نضاعف من حجم الاهتمام بالمصريين العاملين فى الخارج، وأن نيسر الإجراءات لكل من يرغب فى السفر للعمل فى أية دولة أجنبية، فهؤلاء حتى ولو تضررنا داخليا من ندرة بعض تخصصاتهم- كما هو الحال مع الأطباء- فكل مصرى يعمل فى الخارج هو سفير لوطنه ومرتبط به، والدليل على ذلك واضح وهو استثمارهم لحصيلة كفاحهم على أرض الوطن من خلال ودائع فى البنوك، ومشروعات تنموية متنوعة تسهم فى الخطط والبرامج التنموية التى تستهدفها الدولة.

**

فى كل بلاد العالم يوجد مصريون نابهون يشرفون الوطن، بعضهم يحتل مواقع قيادية أو علمية مرموقة، وكلهم شهامة ورجولة، يحبون وطنهم، ويعشقون ترابه، ولديهم استعداد للتضحية بالغالى والنفيس من أجله.. وطنيون بامتياز يحملون دائما هموم الوطن، ويتطلعون الى استقراره، ومستقبل أفضل له فى مختلف المجالات، ويتحينون أية فرصة للتعبير عن حبهم وانتمائهم له، ومشهد الأسر المصرية وهى تملأ الاستاد السعودى لتشجيع منتخب الشباب فى مباراته أمام الجزائر أول أمس مجرد مشهد بسيط لانتماء المصريين فى كل مكان يتواجدون فيه لوطنهم.

الغالبية العظمى من المصريين فى الخارج علامة بارزة، وماركة وطنية مسجلة، لا يتأثرون بشائعات، ولا يستمعون لأكاذيب، بل يتحركون دائما بحس وطنى، وقد أسهمت مواقع التواصل الاجتماعى فى ربطهم أكثر وأكثر بالوطن، ولذلك تجدهم حاضرين فى كل الأحداث، يعبرون عن مشاعرهم، ويجسدون حبهم لوطنهم، ويعيشون مع أهلهم وأصدقائهم فى الداخل كل الأحداث والمواقف.

هؤلاء .. يجب ربطهم بالوطن أكثر وأكثر، ويجب على أجهزة الدولة المختلفة أن تستفيد بهم فى مختلف مجالات تخصصاتهم.. والمصريون فى الخارج ليسوا فقط هؤلاء الأعلام فى التخصصات النادرة من العلماء والخبراء والأطباء فى مختلف مجالات العلم والذين تحظى بهم كثير من دول العالم.. بل هناك عناصر جيدة للغاية اكتسبت خبرة فى الحرف والمهن المختلفة وتفوقوا فيها، ويستطيعون إضافة الكثير لتلك الحرف والمهن فى مصر.. لكنهم للأسف غير معروفين لدى أجهزة الدولة المعنية بالتواصل مع أبنائنا فى الخارج والتخطيط للاستفادة بهم فى الداخل.

**

فى كل قارات العالم رموز مصرية مشرفة فى مختلف المجالات، ويجب أن نعترف صراحة بأننا ما زلنا فى مرحلة استكشاف كيفية الاستفادة بهم فى الداخل وتوظيفهم فى تطوير وتحديث مؤسسات الدولة المصرية، ويجب أن نسير بخطوات أسرع فى هذا المجال خاصة وأن رئيس الدولة قد وجه بضرورة الاستفادة من كافة العلماء والخبراء المصريين فى الخارج، ونتطلع الى أن تساير خطط الحكومة والجامعات المصرية هذا الهدف الكبير، وأن تكون هناك خطوات أسرع خاصة وأن مصر تمتلك رصيدا هائلا من العلماء والخبراء المهاجرين فى مختلف التخصصات العلمية ويستطيع هؤلاء أن يسهموا بدور كبير فى تحقيق أهداف التنمية فى مصر.. فنحن فى أمس الحاجة الى الاستفادة بخبرة وإمكانات علمائنا المنتشرين فى كافة دول العالم، ولا ينبغى أن نسمح بوجود أية حواجز إدارية أو نفسية تعوقهم عن دفع ضريبة الانتماء للوطن الذى علمهم ورباهم ولم يبخل عليهم بشىء.

**

ما دمنا قد أدركنا قيمة العلم كوسيلة أساسية للنهوض بالبلاد فى شتى المجالات، فهذا الوعى يحتم علينا الاهتمام بالمنظومة العلمية والاستفادة من العقول المهاجرة خاصة المتميزة لتكون عناصر أساسية لتحقيق نهضة علمية ضرورية فى عالم متسارع الخطى يؤكد أن البحث العلمى هو السبيل الأمثل لأي دولة تريد أن تتقدم وتلحق بركب الدول المتقدمة.. ولا شك أن أفضل تكريم لعلماء وخبراء مصر المنتشرين فى كافة دول العالم هو دعوتهم للمساهمة مع أقرانهم من العلماء والباحثين الموجودين فى مصر لوضع حلول عملية للمشكلات القائمة، ومثل هذه اللقاءت المشتركة مفيدة للطرفين وليس للعلماء المحليين وحدهم، فالتطبيق العملى للبحث العلمى لابد أن يرتبط بالواقع، وهذا الواقع يدركه جيدا العلماء والباحثون فى الجامعات ومراكز الأبحاث فى مصر.

من هنا يجب وضع استراتيجية شاملة وواضحة المعالم للاستفادة من العلماء المصريين فى الخارج، فهؤلاء العلماء بما حققوا من انجازات علمية ملك للوطن ونحن لدينا- والحمد لله- ثروة بشرية هائلة من العلماء فى الخارج يمكن أن يكونوا نواة لثورة علمية فاعلة فى مختلف القطاعات لو تم التخطيط للاستفادة بهم ودمجهم مع العلماء والباحثين فى الجامعات ومراكز الأبحاث المصرية، وذلك بتطبيق نظام كفء يرتكز على العمل الجماعى وفق خطة علمية ممنهجة تعود بالنفع على الوطن.

**

لقد حرصت مختلف دول العالم المتقدم- ولا تزال تحرص- على استقطاب العقول المصرية أكثر من حرصها على جذب الثروات والأموال، لأنها تدرك أن تلك العقول والكفاءات العلمية والمهنية هى من تأتى بالأموال، والعقول المبدعة هى الصانع الحقيقى للنهضة، ولذلك ترحب كل الدول الغربية بالنوابغ المصرية فى مختلف المجالات، وتقدم لهم التيسيرات، حتى فى ظل الاجراءات الصارمة المتبعة حاليا فى إجراءات السفر الى أمريكا وأوروبا بسبب مشكلة الارهاب، تجد الغرب حريصا على التقاط العقول المصرية المبدعة فى مختلف المجالات.

نحن فى أمس الحاجة لخطة واضحة المعالم لجذب الخبرات والكفاءات المصرية المهاجرة للمساهمة فى علاج المشكلات التى نعانى منها، ولا يكفى إطلاق شعارات ومطالبة هؤلاء برد جميل الوطن دون أن نوضح لهم ماذا نريد منهم ونقدم لهم برامج تعاون محددة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة