جريمة القتل جريمة متأصلة فى المجتمع الإنسانى وموجودة فى كل العصور كما توجد فى كل المجتمعات، وكل يوم نسمع ونقرأ ونشاهد العشرات وربما المئات من جرائم القتل التى يرتكبها أشخاص فقدوا القدرة على الاتزان النفسى وانساقوا وراء شياطينهم، وأزهقوا أرواحا بريئة لأسباب مختلفة ودوافع متنوعة لا يقرها شرع ولا قانون وتأباها المشاعر الانسانية السوية.
والواقع أن إزهاق روح يعد فى نظر الشرع والقانون والعرف الإنسانى أقبح الجرائم وأبشعها وأكثرها أذى للنفس البشرية، ولذلك لا تجد إنسانا يتلذذ بمشاهدة جرائم القتل أو يعبر عن سعادته بها إلا لو كان مريضا نفسيا أو كان المقتول عدوا له يستهدف أمنه ووطنه وحياته.. ولذلك كان الجهاد ضد المجرمين الذين يستهدفون أرواحنا وأوطاننا واجبا، وكان قتالهم شرف ما بعده شرف شريطة أن تحكمه ضوابط شرعية وإنسانية، فلا يجوز مقاتلة أحد إلا دفاعا عن الدين والوطن والعرض والشرف ورد الظلم وصد العدوان.
وحرص الدين على حرمة النفس البشرية لا يقف عند إزهاق روح شخص آخر برىء.. بل إن حماية الدين للنفس البشرية( حماية عامة) فالذين يقتلون أنفسهم انتحارا وتفجيرا، يخسرون دينهم ودنياهم ويرتكبون جريمة من أكبر الكبائر، فالقتل العمد للنفس وللغير عدوان يآثم فاعله فى الدنيا والآخرة.
**
لقد تعلمنا من ديننا أن أمن المجتمع واستقراره يتوقف على حمايته من الأشرار، وتوقيع العقاب الرادع عليهم حتى يعيش أبناء هذا المجتمع فى أمن وأمان، يتفرغون لتحصيل العلوم والمعارف والخبرات، وللبناء والتنمية وتعمير الكون وفق ما أمرنا الخالق سبحانه.. والقرآن الكريم الذى يحمل الهداية للبشرية فى كل نصوصه وتوجيهاته، يحمل أيضا الوسائل والأدوات التى تحمى المجتمعات الإنسانية من القتلة والمجرمين والمفسدين فى الأرض، حيث توعد الخالق سبحانه فى كتابه الخالد هؤلاء الأشرار بأشد ألوان العقاب، جراء ما أفسدوا وخربوا والحقوا الضرر بالمجتمعات التى يعيشون فيها.. فهم يقتلون الأبرياء، ويروعون الآمنين، ويخربون ما عمره وبناه وأصلحه غيرهم.
ولما كانت جريمة القتل من أبشع الجرائم التى تدينها الأديان السماوية والقوانين والأعراف والنفوس السوية، تشدد القرآن الكريم في مواجهة جريمة القتل، وشرع القصاص لردع المجرمين، هؤلاء الذين يستبيحون الدماء، ويعتدون على الأرواح، وتوعد الخالق سبحانه القتلة بأشد ألوان العذاب في الآخرة لزجرهم عن ارتكاب هذه الجريمة النكراء، حماية لحياة الإنسان الذي كرمه خالقه، وسخر كل ما في هذا الكون لخدمته أولا، وإقرارا للحق والعدل بين الناس ثانيا.. والباحث المدقق فى القرآن الكريم يجده أكثر الكتب السماوية مواجهة للجرائم والمجرمين، وهذا الموقف المتشدد من جريمة القتل العمد يؤكد عظمة هذا الدستور الإلهي الذي أراده الخالق حماية للإنسان من كل ما يضر بحياته، أو يلحق به الأذى النفسي والمعنوي، وقد سجلت آيات القرآن أول جريمة قتل وهي قتل "قابيل" لأخيه "هابيل"، بدافع الحسد والغيرة، "...فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" أعقب الحديث عن جريمة قابيل ضد أخيه هابيل بقوله عز وجل: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".. فقتل نفس واحدة ظلما وعدوانا فى نظر الخالق(قتل للناس جميعا) وإحياؤها- أى إعطاؤها فرصة الحياة- إحياء للناس جميعا.. وهذا يؤكد قيمة النفس البشرية فى نظر خالق الإنسان والكون.
وإلى جانب النص القرآني السابق وما فيه من ترهيب من العدوان على نفس بريئة وترغيب في حماية نفس الإنسان وصيانتها من كل أذى؛ يأتى التحذير والوعيد الإلهي للقتلة والمجرمين الذين يعتدون على الأبرياء في قوله سبحانه:"ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما"، فالله تعالى يتوعد القاتل لغيره ظلما وعدوانا بعقوبات كثيرة ومتنوعة هي: الخلود في جهنم، وغضب الله على هذا القاتل، وحلول اللعنة عليه، وحلول العذاب العظيم عليه في الآخرة.
**
بالتأكيد.. هناك فارق كبير بين (القتل العمد) و (القتل الخطأ) فالقتل العمد هو أن يقوم إنسان بالغ عاقل عامدا بقتل إنسان آخر لا يستحق القتل.. وهذا القتل العمد في نظر شريعتنا السماوية جناية من أقبح الجنايات، وجريمة من أشنع الجرائم، ومن يرتكب هذه الجريمة يستحق أشد العقوبات في الدنيا والآخرة كما أخبرنا القرآن الكريم.. ومن أبرز عقوبات الدنيا فى القتل العمد "القصاص" حيث يقول الحق سبحانه:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفا له من أخيه شيء فأتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون".
وعقوبة القصاص من القتلة لا تسهدف عقاب المعتدين الآثمين فحسب، وإطفاء النار المشتعلة فى نفوس أهل القتيل.. بل تستهدف أولا تطهير المجتمع من البغاة والمفسدين فى الأرض، بعقوبات رادعة، ضد هؤلاء الذين استباحوا كل الحرمات.
**
بعد هذا البيان الموجز لحجم جريمة القتل العمد فى نظر الدين نتساءل: كيف لشخص سوى أن يدافع عن قاتل ارتكب جريمته فى وضح النهار وعليها شهود عيان بالعشرات؟ كيف تقبل نفس بشرية سوية أن ترى شخصا يقتل آخر دون عدوان أو دفاع مشروع عن النفس ثم تتطفل لتدافع عن مجرم قاتل وتبرر له جريمته أو تتطلع للعفو عنه أو تخفيف العقوبة العادلة التى يستحقها؟
الإجابة الصريحة لهذا السؤال نتطلع أن نسمعها من أطباء النفس الذين يجب عليهم أن يحللوا نفسية هؤلاء الذين يدافعون عن القتلة والمجرمين – وهم كثيرون- ويطاردوننا بما يصدم مشاعرنا كل يوم عبر مواقع التواصل الاجتماعى التى تزخر بكل ما هو شاذ وقبيح.