رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل


أعتز بثورة 30 يونيو اعتزازي بشقيقتها الكبرى ثورة يوليو 1952.. فالأولى نقطة تحول فارقة صححت مسار تاريخنا القريب واستعادت هوية دولتنا في يوم مجيد انتصر للمستقبل واستنقذ فرص الحياة الآمنة الكريمة للأجيال الجديدة من براثن الفوضى وجحافل الإرهاب..أما الأخرى فقد مكنت المصريين، ونحن منهم بالطبع، من الالتحاق بالتعليم المجاني وجنى ثمرات العدالة الاجتماعية في تملك الأراضي الزراعية ليصبح الموطنون ملاكاً لها بعد أن كانوا أجراء فيها لا قرار لهم ولا اختيار بل كان أكثرهم يعمل طيلة الوقت لقاء أجر زهيد ومشقة بالغة ومذلة ..وقد تخرج في تلك المنظومة التعليمية عظماء أمثال العالم الفذ أحمد زويل وفاروق الباز ومصطفى مشرفة وغيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم.
30 يونيو ثورة شعبية كاملة الأركان ونقطة فارقة بين الفوضى والاستقرار..بين الهدم والبناء..بين الفتنة والاحتراب الأهلى الذي كنا على شفا حفرة منه وبين المضي قدماً نحو مستقبل أفضل بجهد المصريين واتحادهم جميعاً على قلب رجل واحد بعد أحداث 25 يناير العاصفة، ومؤامراتها الخبيثة التي أريد بها هدم مصر وإضعافها، وإخراجها من محيطها العربي المتردي والإقليمي المضطرب لتمرير مشروعات التقسيم والفوضى الخلاقة التي بشَّرت بها وزيرة خارجية أمريكا كوندوليزا رايس في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
في ذكراها التاسعة التي تتجدد اليوم ينبغي لنا أن نتذكر إنجازات ثورة 30 يونيو التي عبرت عن إرادة ملايين المصريين الذين خرجوا للشوارع رفضاً لاستمرار حكم جماعة الإخوان التي فشلت في إدارة البلاد واحتواء أطياف الشعب وفئاته وقواه الحية بل سعت لإقصاء الجميع وفرض الهيمنة والتكويش على مفاصل الدولة ومناصبها ووظائفها كافة.
30 يونيو من أيامنا التاريخية ومن حق أجيالنا التي لم تعشها أن تعرف تفاصيلها وفضائلها وأن يجرى تدريسها في المدارس والجامعات؛ حتى لا ننسى وحتى تظل الذاكرة الجمعية واعية مدركة لتفاصيل حدث جلل سطَّر تاريخاً جديدًا لمصر و شعبها وأمتها كافة في لحظات مصيرية شهدت مشاركة جميع فئات الوطن التي خرجت بوعي من ضميرها وبوازع من فطرتها التي اسشعرت خطورة استمرار الأوضاع وما كانت تنذر به من تفرق واحتراب أهلي لن يبقي ولن يذر ..وما كان ل"حزب الكنبة"، وهو كثرة صامتة، أن يخرج للشوارع في سابقة عجيبة لولا إدراكه لحجم الخطر وتداعياته إذا استمر حكم الإخوان المتآمر الخائن الذي ظن قادته أن باستطاعتهم إخضاع البلاد والعباد لمشيئتهم مئات السنين دون أن ينازعهم فيه أحد.
30 يونيو كانت كاشفة لأمور كثيرة؛ لعل أهمها حكمة المصريين التي تظهر في الشدائد والملمات؛ ذلك أنهم أدركوا مغبة السكوت على حشود الإرهاب التي تتخندق وتتمترس خلف راية الجماعة أو الحزب خالعة رداء الوطن، ناهيك عما جرى زرعه من جحافل الإرهابيين في سيناء بأمر من الرئيس الإخواني المخلوع وبمباركة من مكتب إرشاده بالمقطم تمهيداً لاستخدامهم في نشر الفوضى .
فهل نسينا ما قاله نائب المرشد، الحاكم الفعلي لجماعة الإخوان خيرت الشاطر:" يا نحكمكم يا نقتلكم"..أم نسينا ما عانته مصر ولا تزال من جحافل الإرهابيين وفلولهم وذئابهم المنفردة الذين توطنوا في سيناء واستنزفوا جيشنا وشرطتنا ومواردنا، وهي حشود أراد بها الإسلام السياسي إحكام قبضته على مصر..لكنها إرادة الشعب المعلم والقائد الفعلي الذي قد يصبر أو يضعف لكنه أبداً لا يموت ولا يستسلم وهو وحده صاحب القرار في أوجب شئونه.
لم تكن ثورة 30 يوينو مجرد لحظة فارقة خارج حدود التوقع أو حدث استثنائي خارج حدود الزمان والمكان بل كانت إرادة شعب انحاز إليه جيشه وقواه السياسية ضد حكم عصابة الإخوان..وقد رأينا كيف تبلورت حركة "تمرد" كفكرة في أذهان شبان ثلاثة هم محمود بدر ومحمد عبدالعزيز وحسن شاهين الذي اقتبس اسمها من عنوان مجلة سورية تصدر بهذا الاسم..لتصير حركة تلقفتها الجماهير وتجاوبت معها بصورة مدهشة في أجواء ضبابية تخاذلت فيها ما سمِّي ب"جبهة الإنقاذ" الموجودة حينئذٍ..وقد استلهم الشبان الثلاثة فكرة جمع التوكيلات أو التوقيعات من ثورة 1919 وقد تحقق لهم ما أرادوا بفضل وعي المصريين وهمتهم وقوة عزيمتهم وصدق وطنيتهم.
أما صاحب فكرة مظاهرات 30 يونيو فهو الشاب مصطفى السويسي، وقد تواصل الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، رحمه الله، مع قادة "تمرد" في 20 يونيو 2013، منبهاً إياهم لأهمية دعم الجيش لدعوتهم حتى يكتب لها النجاح..كما اقترح الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع أيامها في 22 يونيو 2013 على "مرسي" الاستفتاء على إجراء انتخابات مبكرة وهو ما رفضه "العياط" مهوناً من شأن الأزمة التي كانت تغلي لحد الفوران، وتهدد بالتهام الأخضر واليابس، ما دفع وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" وقتها لأن تطلب من السيسي وصبحي أن يبقى الجيش قوة لتحقيق التهدئة والاستقرار.
وللتاريخ فإن بيان القوات المسلحة الذي أحاط بما كان يحدث في البلاد وقتها في ظل حكم الإخوان أسهم في زيادة الموقعين على استمارة تمرد حتى تجاوزت أعدادهم 22 مليوناً قبل نهاية يونيو 2013..ولا ننسى يوم التقى السيسي بمرسي ظهر السادس والعشرين من الشهر ذاته ولمدة ساعتين، طالباً منه أن يكون روح الخطاب "الرئاسي" تصالحياً لكنه- أي مرسي- رفض ، كما أبى الاستفتاء على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة بل إنه قال لوزير الداخلية وقتها اللواء محمد إبراهيم وتحديداً فجر الثلاثين من يونيو إن نجاح "30 يونيو" من رابع المستحيلات..مضيفاً: وسوف أحاسبكم.
وفي اليوم ذاته ورغبة منه في التهدئة عرض السيسي الذي كان أميناً في موقعه الصور التي التقطتها الطائرات الحربية للمظاهرات الحاشدة في شوارع مصر وميادينها..فما كان من مرسي إلا أن ادعى أن المظاهرات المؤيدة له أكبر، وهو الكلام ذاته الذي قاله لأمريكا..ورغم كل ذلك فلم تمنع قيادة القوات المسلحة إذاعة خطاب مرسي في 2 يوليو وهو خطاب في مجمله كان مهزلة بكل المقاييس ؛ ذلك أن الأخير هاجم فيه كل قوى الشعب بأقذع الأوصاف، وكانت النتيجة وبالاً عليه، فلم يرض بما قاله أحد، حتى أمريكا ذاتها، بل تفاقم الغضب الشعبي وخرج عن حدود السيطرة حتى كان ما كان وانتهى حكم الإخوان.
وإذا كان مسلسل "الجماعة" لمؤلفه وحيد حامد أثار جدلاً كبيراً، فإنه أكد حقيقة ثابتة لا غبار عليها؛ أن نهج الإخوان لم يتغير منذ تأسست جماعتهم في 1928 على يد مرشدها حسن البنا؛ حيث دارت في فلك السلطة، وهادنت الحكام والقادة، واتبعت تكتيكاً مراوغاً يتقارب مع الحكم في العلن بينما يسلك في الخفاء نهجاً متآمراً انتهازياً يعلى مصالح التنظيم على ما سواه، يراوغ كل الأنظمة ويداهن الرؤساء ثم ينقلب عليهم؛ فعلوا ذلك مع الملك فاروق ومن بعده الرئيس عبدالناصر، وقادة ثورة يوليو ومن ثم لم يكن مستغرباً ما فعله النقراشي باشا بحظر تنظيم الإخوان ومصادرة مقراتهم وممتلكاتهم لأول مرة أيام الملكية ثم جاء ناصر ليزج بهم في السجون ويحول دون ممارستهم للسياسة، ولم يسلم السادات من أذاهم، فقد اغتاله هذا التيار بدم بارد يوم احتفاله بذكرى النصر العظيم يوم السادس من أكتوبر رغم أنه هو الذي أخرجهم من السجون ومنحهم قبلة الحياة وأعادهم لنهر السياسة ..وكان ذلك أكبر أخطاء بطل الحرب والسلام..ثم هادنهم مبارك تارة وضيق عليهم الخناق تارة أخرى حتى وقعت أحداث يناير 2011 وما تلاها من انفلات وفوضى ووقائع جسام اهتزت لها قيم المجتمع وتوجع لها ضميره.
تجارب التاريخ وأحكام القضاء القاطعة أثبتت أن الإخوان جماعة لا عهد لها ولا ذمة وأنها كانت تريد الحكم ولو على أنقاض شعب مصر العظيم الذي أثبت أنه واعٍ بالفطرة لا يستطيع أحد خداعه أو الالتفاف عليه.
وفي هذه الذكرى العظيمة التي تصادف حواراً وطنياً أطلقه الرئيس السيسي ليشمل جميع فئات الشعب وتياراته السياسية إلا من تلطخت أيديهم بالدماء وهو ما يعيدنا لما قاله الرئيس بكلمات قاطعة في إحدى المناسبات الوطنية بأنه لا مكان بيننا لتلك الجماعة الإرهابية مادام هو موجوداً على رأس الحكم ، وما دام الشعب وملايينه رافضين عودتها للمشهد مرة أخرى والسؤال لمن تراودهم أضغاث أحلام عودة الإخوان أو حتى القبول بإدارة حوار معهم؛ فإذا كان الشعب المصري هو وحده من يملك الحق في هذا القرار فكيف يمكن تجاوز إرادة هذا الشعب أو دهس دماء الشهداء ومع من نتحاور ..هل نتحاور مع جيش جرار من الإرهابيين أم مع المتطرفين وأرباب السجون الذين زرعهم مرسي وجماعته عنوة في أرض الفيروز.
لا يخفى ما عانته مصر ولا تزال وما تدفعه دولتنا ودول المنطقة من ثمن باهظ بسبب جرائم الإخوان، ناهيك عما نزفته من أمنها واستقرارها وفرص أجيالها القادمة ..ومن يعوض الدولة عما تكبدته من خسائر تفاقمت على مدى سنوات من العنف والتخريب وقتل جنودنا وبنى وطننا في عمليات إرهابية جبانة، ناهيك عن تطفيش الاستثمارات الأجنبية وتوقف الإنتاج وتعثر الاقتصاد الذي فرض إجراءات إصلاحية شديدة الصعوبة دفع الجميع ثمنها غالياً..فمع من نتصالح أو نتحاور..مع من أهانوا الوطن وأحرقوا مؤسساته ومنشآته الحيوية واستماتوا ولا يزالون لتشويه سمعته عبر فضائيات ومواقع مغرضة ومشبوهة لا همّ لها إلا نشر الإحباط وتوهين الروح العامة واختراق أمننا القومي والتوغل في نسيجنا الاجتماعي عبر افتراءات وشائعات وأكاذيب ملفقة لإحداث الوقيعة وشق الصف وضرب الجبهة الداخلية.
رأيي أن من يملك التصالح هو شعب مصر وحده، وظني أنه لن يرضى أبدًا أبدًا على التصالح أو الحوار الذي أرجو أن تغتنمه القوى الوطنية لإحداث حراك حقيقي في المجتمع يخلق حالة وعي حقيقي تجعله محصناً ضد رياح الفتن ومحاولات دق الأسافين وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة وهو ما يحتاج أيضاً لإعلام نشط ومحترف يعرف كيف يصنع رأياً عاماً واعياً بمتطلبات المرحلة وتحدياتها وما ينبغي على كل فرد أن يفعله للحفاظ على ما تحقق من استقرار وإنجازات وعدم الانجراف وراء ما تثيره قنوات الشر من إفك وافتراء على مدار الساعة.
تحية خالصة لثورة 30 يونيو المجيدة التي عبرت بمصر إلى بر الأمان ..وتحية لكل من أسهم في نجاحها من فئات الشعب وطوائف وتياراته وقواه الحية وعلى رأسها جيشنا الباسل وشرطتنا اللذان لولاهما ما نجحت تلك الثورة..وكل عام ومصرنا الحبيبة بخير.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة