* من الألف إلى الياء
لن يتوقف الحديث عن الحصاد المر والتداعيات الخطيرة للتغيرات المناخية المتصاعدة ومغبة التهاون في إتخاذ إجراءات حاسمة للحد من تنامي ظاهرة الإحتباس الحراري ،في مختلف أنحاء المعمورة.
ويبدو أن منطقة الشرق الأوسط ستكون علي موعد مع الأوجاع من الضربات المناخية القاسية المتوقعة، والتي بدأت مؤشراتها فعليا، علاوة علي تداعيات أزماتها المتلاحقة والتأثيرات السلبية للحرب الأوكرانية،ومعاناتها المستمرة مع النزاعات السياسية والحروب وسوء إدارة الموارد ،وأوجه القصور الهيكلية العميقة التي تقف حجر عثرة في طريق الإزدهار والابتكار التكنولوجي في مجال الطاقة المتجددة والاستدامة البيئية،وفي غيرها من أوجه التنمية.
وفي تقرير نشرته صحفية "الأندبندنت البريطانية"، مؤخرا حمل عنوان (ماذا لو أصبحت منطقة الشرق الأوسط غير صالحة للعيش؟!)، أوضح أن دول الشرق الأوسط ستكابد أقسى موجات الحر، بسبب تغير المناخ.
ويؤكد التقرير أن تغير المناخ أطبق على خناق العالم برُمّته، ولكن الشرق الأوسط ربما تكون أول منطقة ستلفظ أنفاسها الأخيرة جراء العطش والجفاف، فيما تشتعل بموجات من الحر،وتتجه نحو مستقبل غير بعيد يبدو أشد سخونة وجفافاً وبؤساً، ما لم تتخذ إجراءات سريعة تنتشلها من هذا المصير المشؤوم!.
وفي دراسة قام بها "سكوت كولب" و"بنجامين شتراوس" من منظمة "كلايمت سنترال" غير الربحية، ونشرت في Nature Communications، جاء فيها أنه من المتوقع أن تفقد دول الشرق الأوسط معظم مدنها الساحلية الرئيسة تماماً بسبب ارتفاع مستويات سطح البحر ،فالبصرة مثلاً، ثاني أكبر مدينة في العراق، ربما تغمرها المياه بحلول 2050.
ووفقا لأجهزة الرصد يبلغ معدل ارتفاع درجات الحرارة في الشرق الأوسط حالياً ضعف المتوسط العالمي، وبحلول 2050 ستكون المنطقة أكثر سخونة بأربع درجات مئوية من الحد الأقصى الذي وضعه العلماء لإنقاذ كوكب الأرض، ويبلغ 1.5 درجة.
ولا يستبعد "معهد ماكس بلانك الألماني" أن تصير مدن كثيرة في الشرق الأوسط غير صالحة للسكن قبل نهاية القرن الحالي.
، ويذكر جوس ليليفيلد، خبير في مناخ الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، أن الشرق الأوسط قد تجاوز الاتحاد الأوروبي في معدل انبعاثات الغازات الدفيئة، ويواجه تداعيات خطيرة نتيجة تغير المناخ.
وقد تضاعفت الانبعاثات الضارة في المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية أكثر من ثلاثة أضعاف، ويتخوف ليليفيلد من أن مدناً ستضربها موجات من الحر تصل إلى 60 درجة مئوية، مهددة حياة السكان الذين لا يملكون مكيفات هواء، في بلاد مثل إيران والعراق ولبنان وسوريا واليمن ،وغيرها.
وتعد العراق النموذج الأسوء في تداعيات التغيرات و تتضاعف آثار مأساته كل يوم مع توارد أنباء عن انخفاض منسوب المياه بنهري دجلة والفرات ،نتيجة تباين كمية الأمطار،و مع شروع تركيا في بناء سدود بغرض توليد الكهرباء، وأيضا جفاف بعض الأنهار الصغيرة القادمة من إيران، علاوة علي جفاف بحيرة ساوة بمحافظة "المثني"، والتي يبلغ مساحتها أكثر من 6 آلاف كيلومتر مربع ،وذلك بسبب الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية والموارد المائية ، بحفر الآبار والاعتماد علي القنوات المفتوحة دون إستخدام تقنيات الري الحديثة.
وأصبحت خزين المياه الجوفية الذي تكون من ملايين السنين، مهددة بالاستنزاف والنضوب،كما تشير التقديرات خلال 20 عاما!.
وقد سقطت المغرب أيضا سريعا كأولي ضحايا التغيرات المناخية ،بعد موجة جفاف شديدة بسبب ندرة الأمطار مع الإرتفاع القياسي لدرجة الحرارة وتغير وتحرك أحزمة المطر التي تعتمد عليه بصفة أساسية كأحد أهم مصادر المياه العذبة ،مما يهدد أهم مشاريعها المستقبلية بزراعة ملايين الأشجار
فقد سجلت الدولة عجزا بنسبة 64 بالمئة في سقوط الأمطار.
وقد اعلن الديوان الملكي مؤخرا أن المغرب سينفق ما يزيد عن مليار دولار لمواجهة آثار الجفاف المتصاعد ،ومكافحة أسوأ موجة جفاف في 30 عاما من خلال خطة وطنية لتخفيف آثار الجفاف على المزارعين والاقتصاد.
ووفقا لجغرافيا المغرب،فهي إحدى دول الصحراء الكبرى الافريقية شديدة الجفاف ونظرا لموقعها الممتد على مسافة 3,500 كم على المحيط الأطلنطى والبحر المتوسط، والجبال المغربية فى مناطق الريف وجبال أطلس ،التى يتراوح متوسط ارتفاعها من 1000 إلى 2000 متر فوق سطح البحر أدى إلى انخفاض درجة الحرارة نسبيا مع زيادة كمية الأمطار التى تبلغ حوالى 346 مم/سنة مكونة إجمالى 29 مليار متر مكعب بين مياه سطحية وأخرى جوفية متجددة.
والظروف الطبيعية فى المغرب جعلتها أكثر الدول فى شمال أفريقيا حصولاً على مياه أمطار ، رغم ذلك فإن المغرب من الدول التى تعانى الفقر المائى حيث يصل نصيب الفرد أقل من 800 متر مكعب سنويا، وهى أقل من المعدل العالمى 1000 متر مكعب سنويا للفرد.
ويذكر أن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) قد دعت قبل عدة سنوات إلى ضرورة اعتماد مقاربة استباقية لإدارة الجفاف بالمغرب وتعزيز
التنسيق على أعلى المستويات الحكومية عند التخطيط لموجات الجفاف.
كما كشفت التقارير أن المغرب عانت خلال القرن العشرين من أكثر من عشر فترات جفاف رئيسية، تمثلت في تراجع المواد المائية السطحية واضمحلال مياه العيون والآبار، مما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي والحيواني والغطاء النباتي.
وكان من أبرزها وأشدّها حالة الجفاف التي حدثت عام 1935م، لدرجة أنها لم تنزل قطرة ماء واحدة في هذه الفترة، وشهدت حالة مزرية من الجوع والأوبئة الفتّاكة أودت بحياة الآلاف من البشر والحيوانات.
ولعل نموذجا العراق والمغرب ،يحركان المياه الراكده، في أفق التعاون العربي الفعال والتكاتف لمواجهة آثار هذه الضربات المتتابعة وبحث تبادل الخبرات والتجارب والمعلومات لمواجهة كافة التحديات.
ولتجنب الكثير من هذه التداعيات المرة بدأت مصر استراتيجية قومية لمواجهة ندرة الموارد المائية،وفي خلال سنوات قليلة حققت إنجازات مشهودة ونجاحات مهمة لتعويض ندرة المياه الطبيعية ،والمتوقعة نتيجة التعنت الأثيوبي ورفض التنسيق في ملف سد النهضة وتحديد قواعد وضوابط متفق عليها حول الملء والتشغيل !.
ومن بين المشروعات الرائدة التي بدأتها القاهرة محطات تحلية مياه الشرب وحفر الآبار بمخرات السيول ومعالجة مياه الصرف الصحي، وتبطين الترع والمصارف ،وتدشين ثقافة الترشيد وغيرها.
وتبقي الحقيقة أن هذه الضربات المؤلمة لن تقل حدتها عن ضربات السياسية وتقلباتها ، وما تركته أوهام ثورات الخريف العربي،وتدمير مقدرات عدة دول عربية،وإجهاض أحلامها في الشراكة والتوحد والتكاتف والتنمية المستدامة.
لكن إدراك مكامن الخطر وأسبابه قد يكون السبيل الأنجع، لتجنب التأثيرات الضارة أو بالأحد الأدني تقليل تداعياتها وآثارها المباشرة وغير المباشرة علي مشروعات التنمية والنهوض.