لوجه الله:
ما أصعب أن تخير فتاة بين الزواج من شاب لا تريده أو القتل، فكلا الخيارين حكم عليها بالاعدام، وكلا الخيارين مرفوض إنسانيا ودينيا واجتماعيا، فالدين يبطل زواج أية فتاة تكرهها أسرتها على الارتباط برجل لا تستريح له ولا تشعر تجاهه بأية عاطفة.. كما يرفض الدين والعقل والمنطق سلوك كل شاب يحاول فرض نفسه على إنسانة لا تريده.
هذه الأمور لا يدركها كثير من الشباب المراهق ربما بسبب ضعفهم النفسى وعدم تأهيلهم تربويا بشكل جيد للتعامل مع المشاعر العاطفية.. وبالتأكيد لخوائهم الديني وانسياق كثير منهم وراء أوهام وعدم استقرارهم أسريا.
كثير من التحليلات النفسية والاجتماعية التى صاحبت جريمة قتل فتاة المنصورة على يد زميل لها وهزت مشاعرنا جميعا تفتقد الدقة وتحيد عن الحقيقية الدامغة وتنشغل بفرعيات من هناك وهناك لنسج قصص خيالية تجذب بها المشاهدين من مختلف الأعمار دون أن تتجه تلك التحليلات الى الأسباب الحقيقية لارتكاب بعض الشباب جرائم عنف سواء ضد أنفسهم بالانتحار أو ضد الغير بالقتل بسبب سيطرة مشاعر عاطفية سلبية عليهم، فالذين ينتحرون لعدم قدرتهم على مواجهة مشاعر عاطفية سلبية هم فى الواقع فى سلة واحدة مع هؤلاء الذين يرتكبون جرائم عنف ضد الآخرين لنفس الأسباب والدوافع، ولو عاش هؤلاء الشباب حالة استقرار نفسى وأسرى وتسلحوا بتعاليم الدين ما انتحروا وما قتلوا، وما تحولوا لمجرمين مرفوضين من المجتمع بدلا من أن يكونوا شبابا واعدا يطمح أن يكون له مستقبل جيد علميا ووظيفيا وأسريا واجتماعيا بدلا من أن تطاله يد العدالة فيموت قصاصا أو يعيش بقية عمره خلف القضبان.
***
كثير من الشباب المراهق للأسف لا يدركون أن الزواج لا يمكن أن يحقق أهدافه الأسرية والاجتماعية إلا إذا كانت هناك رغبة وعاطفة مشتركة بين الطرفين، فلا يمكن أن تبدأ علاقة زوجية وتستمر ويكتب لها النجاح والاستمرار إلا إذا بدأت عن رغبة حقيقية للطرفين، ورضا تام وقناعة من الرجل والمرأة معا، وتجارب الحياة تؤكد أن كل زواج بدأ بالإكراه ولم تسبقه أو تصاحبة رغبة حقيقة انتهى بالفشل أو انتهى بجريمة.
لذلك يرفض الدين سلوك بعض الأسر التى تتعامل مع بناتها كما لو كن قطع أثاث فى المنزل، أو ممتلكات يتصرفوا فيها كيفما يشاءون، وقد أكدت تجارب الحياة أن الزواج بالإكراه له عواقب وخيمة، فقد يندفع أحد طرفى تلك العلاقة الى ممارسة العنف ضد شريك حياته والتخلص منه كما تنقل لنا صفحات الجرائم فى الصحف على فترات متقاربة.
من هنا يؤكد علماء الإسلام وخبراء الشئون الأسرية وأساتذة الطب النفسى أن الالتزام بهدى الإسلام فى هذه المسألة هو طريق النجاة من الجرائم التى يرتكبها بعض شبابنا سواء ضد الغير أو ضد أنفسهم بسبب الفهم الخاطىء للعلاقة الزوجية، والاستسلام لأوهام نفسية أو اعتقادات خاطئة، فتعاليم الدين وتوجيهاته تؤكد الحرص على استقرار الحياة الزوجية، ولذلك كان رضا الفتاة شرطا لصحة الزواج، وكان رفض الإسلام لكل صور الإكراه التى يلجأ إليها بعض أولياء الفتاة لإجبارها على الزواج من رجل لا تريده، وهى مشكلة موجودة فى كثير من البيوت، والمؤسف أنها لا تريد أن تختفى ويعود الجميع الى هدى الدين، والمؤسف أكثر اعتقاد بعض الأسر أن الفتاة غير مؤهلة لاختيار الأنسب لها ولابد لولى أمرها أن يختار لها من يناسبها، وهذا اعتقاد خاطئ.. فهذا الأمر يجب أن يكون محل حوار وتشاور ويجب احترام رأى صاحبة الشأن وقرارها فى النهاية يجب أن يحترم، وأن تقاوم الفتاة محاولة قهرها على الزواج ممن لا تريد.
إذا كان هذا هو موقف الدين فى سلوك أسرة مع أبنتهم.. فما بالنا بسلوك شاب طائش يريد أن يفرض على فتاة أن تتزوجه بالإكراه وإلا كان مصيرها القتل؟
**
لا شك أن جريمة المنصورة وما تبعها من جريمتى انتحار شاب من فوق برج القاهرة وكوبرى الجامعة بالمنصورة فى اليوم التالى بسبب مشكلات أسرية تتعلق الزواج أيضا يؤكد أن بعض شبابنا يعانى بالفعل من مشكلات نفسية يعود السبب الرئيسى فيها الى الأسرة التى فقدت السيطرة النفسية والأخلاقية على أبنائها، فجرائم الانتحار بسبب الزواج لا تتوقف وهى رغم تنوع أسبابها ودوافعها إلا أنها تصب جميعها فى خانة واحدة وهى غياب الاستقرار النفسى لهؤلاء الشباب الذين يلجأون الى العنف للتنفيس عن الضغوط النفسية التى يعانون منها.
لا ينبغى أن ندفن رؤوسنا فى الرمال ونتوهم أنها حوادث فردية، فجرائم عنف الشباب ضد أنفسهم بالانتحار وضد الاخرين بالقتل تتكرر على فترات متقاربة وتفاصيلها مؤلمة ويجب أن تكون محل تحليل نفسى واجتماعى وقانونى لتحديد وسائل المواجهة.
يجب أن نعترف بأن الخواء الفكرى والثقافى لكثير من شبابنا وراء سلوك بعضهم العدوانى، ولذلك ينبغى أن نحرص على دعمهم ورعايتهم نفسيا، وأن نحصنهم بتعاليم الإسلام التى تجرم كل محاولة للزواج من إمرأة بالإكراة، وتجرم أكثر العدوان عليها وإزهاق روحها بهذه البساطة، فتقل نفس واحدة فى نظر الإسلام كأنها قتل للبشرية جمعاء، والقرآن الكريم يقول:" من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".. كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه؛ فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه؛ فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" فالانتحار جريمة يعاقب عليها الله كل من يرتكبها كما يعاقب كل من يقتل غيره.