رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

فى حياة الشعوب ايام تستحق ان يتوقف امامها التاريخ .. السبت الماضى ١٨ يونيو .. ذكرى خروج اخر جندى بريطانيا من مصر .. فى مثل هذا اليوم عام ١٩٥٦ .. وقف الزعيم الراحل جمال عبدالناصر .. يرفع علم مصر .. فوق مبنى الحرية بالمدينة الباسلة بورسعيد .. هذا التاريخ يعنى حصول مصر على استقلالها الكامل .. بعد استعمار استمر ٧٣ عاما وتسعة اشهر وسبعة ايام !! تصوروا كل هذه المدة .. والاستعمار الإنجليزى .. كاتم على صدورنا وانفاسنا .. خروج اخر جندى انجليزي .. جاء تنفيذا لإتفاقية الجلاء .. التى وقعها جمال عبدالناصر كرئيس لوزراء مصر .. وانتونى وزير الدولة للشئون الخارجية البريطاني .. ويصبح جمال عبدالناصر رئيسا لجمهورية مصر .. خلفا للرئيس محمد نجيب اول رئيس للجمهورية .. هذه الاتفاقية وقعت يوم ١٩ اكتوبر ١٩٥٤ .. وكلنا يعرف كيف احتلت انجلترا مصر فى عام ١٨٨٢ .. بتقدم الجيش الإنجليزى من الإسكندرية .. حتى بورسعيد .. وسمح لهم ديليسبس بعبور القناة .. حتى الإسماعيلية .. بينما رفض للجيش المصرى بعبورها .. ليلتقى الجيش الإنجليزى بالجيش المصرى فى موقعة التل الكبير .. وينهزم الجيش المصري بقيادة الزعيم احمد عرابى قائد الجيش فى ذلك الوقت .. واقام الجيش الإنجليزى اكبر قاعدة عسكرية له فى منطقة الشرق الأوسط .. فى مدينة الإسماعيلية .. على مشارف مدينة الإسماعيلية .. معسكر الجلاء حاليا .. وتضم هذه القاعدة من ٧ آلاف الى ١٠ آلاف جندى بريطاني .. واقامت غالبية عائلات هؤلاء الجنود والضباط فى الإسماعيلية .. من هنا بدأ نضال شعب الإسماعيلية ضد المحتل المغتصب .. خرج من كل بيت وكل حارة وكل شارع فدائي .. يحملون السلاح ضد المستعمر .. وكان أصعب ما يواجه هؤلاء الابطال من الفدائيين .. الحصول على السلاح والذخيرة .. كانوا يخطفونه من داخل مخازن الجيش الإنجليزى .. او من الجنود الإنجليز انفسهم .. وسوف يظل التاريخ شاهدا .. على اعظم اعمال هؤلاء الفدائيين ابناء الاسماعيلية .. تفجير اكبر مستودعات مخازن الأسلحة والذخيرة للجيش الإنجليزى فى منطقة ابو سلطان بالإسماعيلية .. والتى استمرت نيرانه مشتعلة .. لأكثر من ١٤ ساعة .. وعملية عربة البرتقال التى احضرها هؤلاء الابطال من الفدائيين .. محملة بالبرتقال .. وبداخلها المتفجرات والقنابل اليدوية .. ذهبوا بها إلى موقع تجمع للجنود الإنجليز .. بجوار كوبرى سالا بشارع محمد على بالإسماعيلية .. وعند اكبر تجمع للجنود الإنجليز .. انفجرت عربة اليد بالبرتقال .. ليموت اكثر من ١٥ جنديا انجليزيا ويصاب اكثر من ٢٠ منهم .. بينما اختلق هؤلاء الابطال من الفدائيين مشاجرة وتظاهروا بالاختلاف وفروا بعيدا عن عربة البرتقال .. حكايات وقصص بطولات ابناء الإسماعيلية .. هى نضال شعب .. كافح بأغلى ما يملك .. حياته .. ضد المستعمر الإنجليزى المغتصب .. ولابد ان نذكر العملية الفدائية الجريئة .. التى تعتبر واحدة من اخطر عملياتهم وهى .. محاولة اغتيال الجنرال اكسهام قائد قوات الاحتلال البريطاني فى منطقة القناة .. التى نجى منها باعجوبة .. بينما اصيب سائق سيارته وحارسه .. حيث انتظره ثلاثة من الفدائيين .. والقوا القنايل على سيارته .. لحظة مرورها .. تاريخ شعب الإسماعيلية .. حافل بالنضال والكفاح ضد الجيش الإنجليزى المحتل .. اعود لاتفاقية الجلاء .. التى تضمنت ١٣ مادة .. اهمها جلاء قوات صاحبة الجلالة .. جلاء تاما عن الاراضى المصرية .. خلال (٢٠) عشرون شهرا من تاريخ التوقيع على هذه الاتفاقية _ بهذه الاتفاقية .. تنتهى كافة الامتيازات والاعفاءات الممنوحة للقوات البريطانية فى مصر والتى حصل عليها طبقا لاتفاقية ١٩٣٦ _ وطبعا بكل دهاء ومكر .. طلبت انجلترا .. ان تنص الاتفاقية .. على بقاء اجزاء من القاعدة العسكرية الكبرى بالإسماعيلية ( معسكر الجلاء ) .. فى حالة صالحة للاستعمال ومعدة للاستخدام فورا .. لتستخدمها قوات الجيش الإنجليزى .. فى حالة الحاجة اليها .. وان يكون للقوات الإنجليزية .. فى حالة وقوع هجوم مسلح من دولة .. من الخارج على اى بلد .. يكون لبريطانيا الحق فى ان تصبح طرفا فى معاهدة الدفاع المشترك بين دول جامعة الدول العربية .. وان تقدم مصر كافة التسهيلات لإدارة القاعدة الإنجليزية للحرب .. وان تجلو القوات الانجليزية من قاعدتها العسكرية بالإسماعيلية فورا .. بمجرد وقف القتال .. يظل هذا الاتفاق نافذا مدة سبع سنوات من تاريخ توقيعه .. هذه هى بنود اتفاقية الجلاء .. التى تنهى استعمار اكثر من ٧٣ عاما .. وكان ونستون تشرشل اشهر رئيس وزراء لانجلترا .. قد ارسل اول برقية تهنيئة لمصر عقب توقيع الاتفاقية ومن العجيب .. ان انجلترا .. عادت الى مصر غازية مع فرنسا وإسرائيل .. على مدينة بورسعيد عقب اعلان جمال عبدالناصر .. تأميم قناة السويس فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦ .. وجاءت سرعة استجابة انجلترا للمشاركة فى هذه الحرب .. كنوع من اكبر أنواع الندم والتراجع عن اتفاقية الجلاء .. ولكن صمود ومقاومة شعب بورسعيد .. أوقف اطماعهم .. أتوقف أمام ما قاله الإنجليزى مايلز كوبلاند .. فى كتابه لعبة الأمم .. الذى صدر فى عام ١٩٦٩ .. الذى صدر منه خمس طبعات .. نفذت الأولى فى ٣ ايام فقط .. ومايلز كوبلاند من اشهر رجال المخابرات الأمريكية .. بالرغم من كونه انجليزيا .. وهو من الذين قاموا بمهمة إعادة تنظيم المخابرات الأمريكية " سى . اى . ايه " .. لتظهر للوجود .. لأول مرة فى عام ١٩٤٨ .. ومن المدهش ان كوبلاند .. كان ضابط فى المخابرات الإنجليزية .. لكنه انتقل الى امريكا .. وعمل بمخابراتها .. وقد تحدث الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل .. عن مايلز كوبلاند .. وأشار عدة مرات الى ما جاء فى كتابه " لعبة الأمم " .. يقول كوبلاند : ان من اهم نتائج فشل العدوان الثلاثى على مصر فى عام ١٩٥٦ .. هو دخول الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي .. فى منافسة شديدة لكسب ود ناصر واستمالته .. وقد كان من نتيجة ذلك تلبية الروس لطلب ناصر .. بتوريد القمح والأدوية لمصر فى الحال بمجرد طلبها .. اقول .. ان اتفاقية الجلاء .. ليست مجرد اتفاقية .. انها تعنى انتصار الوطنية والنضال .. وتحرير الوطن .. تعنى العزة والكرامة .. والرأس المرفوعة .. لشعب مصر .. وفى مقدمتهم شعب بلدى الإسماعيلية .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة