لوجه الله:
الأحوال الشخصية هى أساس الاستقرار الأسرى والاجتماعى فى أى مجتمع، وقد كشف القانون المطبق حاليا فى مصر عن خلل واضح فى بعض نصوصه أدت الى صراعات لا تتوقف بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين المطلقين والمطلقات بسبب الأولاد أو نزاعات تتعلق بالنفقة وأمور أخرى، كما ظهرت الحاجة الماسة الى نصوص تشريعية جديدة تنهى حالات ظلم كثيرة يعانى منها رجال ونساء تم التفريق بينهم، ويتصارعون على حضانة الأطفال، أو استحقاقات مادية تتعلق بالنفقة وغيرها.
لقد أثار مشروع القانون المتداول حاليا فى الفضائيات جدلا دينيا واجتماعيا وقانونيا خلال الأيام الماضية، وهو الأمر الذى دفع الرئيس عبدالفتاح السيسى الى إعطاء توجيهات واضحة وحاسمة لوزير العدل المستشار عمر مروان بضرورة تشكيل لجنة قضائية لصياغة مشروع القانون صياغة دقيقة تحقق العدالة بين عناصر الأسرة المصرية، وتسد الثغرات القائمة، وتؤدى الى الاستقرار الأسرى والاجتماعى المنشود، وتقلل فترات التقاضى فى المحاكم، وتراعى مصالح كل الأطراف، وتم تشكيل اللجنة على الفور وتضم نخبة متميزة من القضاة الذين تمرسوا فى مسائل الأحوال الشخصية، ولديهم الخبرة الكبيرة فى ضبط النصوص التشريعية، وتحقيق العدل بين المتقاضين، ويجب أن يأخذ هؤلاء القضاة أصحاب الخبرة والباع الطويل فى قضايا الأحوال الشخصية فرصتهم كاملة وكلنا ثقة فى أنهم سيخرجون لنا قانونا بلا ثغرات، وبلا مخالفات شرعية، فكلهم دارسون للشريعة الإسلامية، ويعرفون جيدا كيف يستفيدون بنصوصها وأحكامها العادلة فى صياغة قانونية جيدة.
لا نريد مشروع قانون من إعداد هواة لا يعرفون كيف يفرقون بين الواجب والمباح، كما لا نريد تدخلا من أطراف متحيزة للنساء أو للرجال، بل نريد صياغة قانونية محكمة تحقق مصالح كل الأطراف- الرجل والمرأة والطفل- فضلا عن ضبط كل ما يتعلق بتشريعات الزواج والطلاق وتعدد الزوجات وغيرها من الأمور الأسرية التى ينبغى أن توزن بميزان الشريعة الإسلامية العادل والمنصف لكل الأطراف.
*****
لذلك أتمنى أن يتوقف الجدل الحاد حول قضايا الأحوال الشخصية حتى يخرج لنا مشروع القانون الذى يعكف نخبة من القضاة الآن على صياغته حتى لا تختلط الأمور على الجماهير التى تتابع مناقشات وخناقات حول نصوص تشريعية قد تتغير، أو لا يكون لها وجود فى الصياغة النهائية التى يقوم بها القضاة، وحتى لا يسبغ مشروع القانون بانطباعات غير جيدة من خلال ما نراه من مناقشات الآن حول أمور يرى فيها بعض القانونيين وعلماء الشريعة الإسلامية مخالفات شرعية.
للأسف.. بعض الذين يدافعون عن نصوص تشريعية معينة يروجون لصورة غير جيدة عن مشروع القانون من خلال الدفاع عن نصوص تحتاج الى ضبط شرعى، والى رؤية أسرية واجتماعية أبعد لتدعياتها على المجتمع.. كما أن بعض الذين يتحدثون عن موقف الشرع من نصوص مشروع القانون يحدثون بلبلة بين الجماهير فعندما يقول أستاذ متخصص فى الشريعة الإسلامية أن النص المقترح يمثل رأى الحنابلة ويخالف رأى جمهور الفقهاء فهو يطعن فى مشروع القانون من حيث لا يدرى، ويعطى عنه انطباعا غير صحيح.. ومن هنا يجب أن يتمهل هؤلاء، ويتوقفوا عن الجدل حول نصوص تشريعية لم تقر حتى الآن من لجنة صياغة مشروع القانون، وكلهم قضاة محل ثقتنا وتقديرنا.
*****
من الخطأ الترويج لفكرة أن أحكام الشريعة الإسلامية تنحاز للرجل على حساب المرأة، فالأحكام المنضبطة بالنصوص الشرعية لا تعرف التحيز للرجل أو المرأة، بل هى تجسد ما يقرره الشرع من أحكام وتشريعات تحقق العدالة والاستقرار فى المجتمع.. ونحن نعترف أن المرأة في مجتمعاتنا العربية عموما لا تحصل على كل حقوقها الشرعية، أو بمعنى آخر أنها منقوصة الحقوق، فالحياة اليومية تقول بأن المرأة "مظلومة" بنسب متفاوتة بين مجتمع وآخر، ومن واجب المؤسسات التشريعية أن تسعى الى تصحيح هذا الوضع والوقوف إلى جانب المرأة" المهضومة الحقوق" وليس مناصرة مطالب نسائية تهدر حقوق الرجل.
مشروع قانون الأحوال الشخصية الذى ننتظره يجب أن يحقق التوازن بين الأطراف كافة، ويضع نصب عينيه مصلحة الأسرة مجتمعه في المقام الأول، ومصلحة الطفل الذى يكون غالبا ضحية الصراع بين طرفين لم يعد بينهما مودة ورحمة، وتسيطر عليهما الرغبة فى الانتقام.
الشريعة الإسلامية – أيها السادة- ليست "بعبعا" نخيف به النساء، فهى التى انتصرت لحقوق المرأة وحمتها من ظلم وقسوة الرجال.. هى مصدر أمان لكل النساء، وأحكامها الاجتهادية مرنة ومتطورة وتواكب العصر.. ولذلك ينبغى أن يكون الحديث فيها للعلماء والفقهاء الذين يستوعبون أحكامها، ويستنبطون منها ما يصلح للتطبيق وتحقيق العدالة لكل أفراد المجتمع.
الشريعة الإسلامية تضبط عقود الزواج وتحرم سلوك كل أب يجبر إبنته على الزواج من رجل لا تريده، وتكفل حقوق المرأة فى بيت الزوجية، وتلزم الرجل باحترام زوجته والتشاور معها فيما يخص الأسرة، وتلزمه بالانفاق على الأسرة حتى ولو كانت الزوجة مليارديره فلا يجوز للزوج أن يسطو على أموال زوجته أو يأخذ منها إلا برضاها.. وتضبط الشريعة العلاقة بين الزوجين فى حالة استمرار العلاقة الزوجية، وتدين كل تجاوز للرجل ضد زوجته بالعنف البدنى أو القهر النفسى.. الشريعة الإسلامية تحمى حقوق المرأة كاملة فى بيت الزوجية، وبعد انتهاء هذه العلاقة، كما تكفل للمرأة المتضررة الخلاص من علاقة زوجية لا تريدها، وكل حقوق المرأة المادية والمعنوية بعد الطلاق تكفلها الشريعة الإسلامية.. ولذلك لا يجوز تصدير صورة غير صحيحة أو مشوهة لها فى الفضائيات لأن هذا التشويه يأتى بنتائج عكسية.