معاً للمستقبل
لم تكن مجرد هزيمة مذلة في كرة القدم أمام منتخب غير مصنف عالمياً و لم يحقق أي انتصار في ثماني مباريات إلا على فريقنا القومي المتخاذل التائه فاقد الهمة والروح الذي أضاع ما بنيناه في سنين من سمعة ومهابة وروح عالية امتاز بها فريقنا طيلة أيام الجوهري ومن بعده المعلم حسن شحاته.
ورغم أنها هزيمة في كرة القدم أمام أثيوبيا.. لكنها جلبت غماً وألماً صعباً للجماهير المصرية، حتى رآها البعض فضيحة كاشفة لما آلت إليه كرة القدم بصفة خاصة و منظومة الرياضة بصفة عامة في مصر، ذلك أن العشوائية وسوء الإدارة وفساد الإعلام الرياضي الذي يكرس التعصب ويغذيه، ويخلق أجواء غير مبررة من التصعيد والتوتر بين المتنافسين ويخوض في مهاترات جاءت نتائجها واضحة في خسارة مصر لبطولات عديدة رغم إمكانية تحقيق الفوز بها.
لا أحد ينكر ما طفا على سطح الوسط الرياضي من سوءات وتراجع أداء ومجاملة فجة وعشوائية مفرطة وسوء أخلاق وتربص وتلاسن وصل حد السباب وفحش لفظي تداولته وسائل التواصل الاجتماعي وهو ما قد يفسر جانباً من المشهد الذي وصلت إليه حال كرة القدم عندنا من تراجع وانحطاط.
ويبدو طبيعياً في سياق مهتريء كهذا أن تتعالى الأصوات مطالبة بتغيير وإصلاح جذري لكل عناصر تلك المنظومة البالية من اتحادات وأندية وحكام ولاعبين ومدربين وإعلام ونظام احتراف وغيره من مكونات تلك المنظومة التي باتت على شفا الهاوية.
نريد إجابات محددة عن أسئلة ضرورية: لماذا وصلنا لهذه الحال البائسة التي تركت بصماتها واضحة على فريقنا القومي الذي كان ملء السمع والبصر حتى بدا في مباراته أمام أثيوبيا وكأنه مجموعة هواة مستهترين لا يرقى أداؤهم في الملعب لمستوى أدنى مراكز الشباب في أقاصي البلاد..فهل أصبحت الأندية أقوى من اتحاد الكرة حتى تفرض عليه إرادتها..وهل تكمن المشكلة في نظام الاحتراف أم في طريقة تشكيل اللجان أم في سوء اختيار عناصر التحكيم..وإذا كان ذلك كذلك فلماذا لا تتغير تلك الآلية ..قد يقول قائل إن إدارات الاتحاد والأندية تأتي بالانتخاب ولا سلطان للإدارة عليها.. وإن هذا الانتخاب قد يدفع بعناصر غير مؤهلة ولا تملك مقومات القيادة وحسن الإدارة ..وهنا يثور سؤال: ألا يمكن تغيير قوانين الانتخاب بما يلائم المعايير الدولية وبما يخلق بيئة مناسبة قادرة على فرز أفضل العناصر لإدارة تلك المنظومة التي باءت بالفشل..وجعلت فرقنا الرياضية في حال يرثى لها..؟!
ألا يكفي ما عانيناه من وقت لآخر في تعيين لجان تركت أثراً سلبياً على كرة القدم التي باتت في محنة كبيرة لا نطمئن معها على الوصول حتى لمنافسات بطولة الأمم الأفريقية المقبلة بعد أن ظهر لاعبو منتخبنا بهذا المستوى الهزيل الذي جعل فريقاً خارج التصنيف العالمي يستأسد علينا ويذيقنا هزيمة مريرة وقاسية.
هل يليق أن يكون هذا هو مستوى منتخبنا القومي بينما يضم بين صفوفه لاعباً دولياً بحجم محمد صلاح أفضل لاعبي العالم والذي أفلت في بداياته من شرور تلك المنظومة البائسة، وبنى نفسه بنفسه، وحقق ما لم يسبقه إليه لاعب مصري ولا عربي آخر في الدوري الإنجليزي.
أتصور أن منظومتنا الرياضية لو كانت صالحة لأفرزت آلاف المحترفين في الدوري الأوروبي، ولأنتجت كما تمنى الرئيس السيسي ألف محمد صلاح..ولكانوا الآن ذخراً ورصيداً لبلدهم وانتشروا في الدوريات الأجنبية كما فعلت دول أفريقية كانت أقل منا كروياً ثم باتت ملء السمع والبصر في كل الدنيا.
ما نراه اليوم..أن محترفينا قلة لا يتجاوزون أصابع اليدين ويلعبون في مراكز محدودة وبكفاءة أقل مثلاً من منتخبات بحجم السنغال التي تجد كل عناصرها في الملعب بل وفي دكة البدلاء وفي كل المراكز محترفين لا يشق لهم غبار ولا يستطيع لاعبونا المحليون ولا حتى المحترفون باستثناءات قليلة لا يستطيعون مجاراتهم في الملعب إلا بشق الأنفس وبدعاء الوالدين..بعكس ما كنا نراه أيام منتخب "المعلم" الذي حقق بطولة أفريقيا ثلاث مرات وأحرج منتخب البرازيل ملك الكرة العالمية في بطولة كأس القارات.
ألا يكفي ما عانيناه من حسرة على أداء منتخبنا المتواضع حتى ندرس ونخطط للمستقبل - بأسرع ما يمكن- لإصلاح حال الرياضة قبل أن تضيع وتصبح مصيدة للفشل و طاردة للنجوم ومثبطة للهمم، لا لشيء إلا لأن على رأس بعض الاتحادات والأندية وفي صفوف المنتخبات من لا يقدر قيمة قميص بلاده ومن لا يدرك قيمة تمثيل مصر في المحافل الدولية.
يا سادة لقد أصبحت الرياضة بمختلف لعباتها صناعة ثقيلة واستثماراً رابحاً وسفيراً في المحافل كلها ومن أهم أدوات القوى الناعمة للدول، وما لا تستطيع الدول تحقيقه بالسياسة والقوة العسكرية يمكنها تحقيقه بالرياضة..ألا يكفي دليلاً على ذلك ما فعله لاعبنا الفذ محمد صلاح الذي بات محط إعجاب دولي وقدوة يحاكيها أطفال وشباب إنجلترا ورمزا من رموز وأساطين الدوري الإنجليزي..حتى يفهم البعض ما يمكن أن تصنعه الرياضة للشعوب من بهجة وللدول من قوة وانتشار.
هل تكفي الاجتماعات والاستقالات أو الإقالات أو تقديم كباش الفداء لغسل ما حدث أمام أثيوبيا..ثم نعود لما كنا عليه من ضعف وهوان..ألا يكفينا ما سمعناه من كلام لننتقل لجدول أعمال لوضع أساس قوي للرياضة في مصر يتفق مع الجمهورية الجديدة.
ألم يحن الوقت لنتخذ من رئيسنا قدوة ونموذجاً نحاكيه في الإنجاز والتغيير؛ فالسيسي لا يقبل بالمسكنات ولا بمعسول الكلام بل يقتحم الملفات ويواجه التحديات ويقهر المستحيل ويصر على تنفيذ الحلول الجذرية مهما تكن صعبة بالعلم والتخطيط والعمل والمتابعة الدءوبة والميدانية..فهل مصر بكل ما تملكه من خبراء وكفاءات على أعلى مستوى لا تستطيع تنفيذ مشروع طموح للنهوض بالرياضة بكل عناصرها؛ مشروع قابل للتنفيذ بتوقيتات محددة كما فعلت في مشروعات قومية بحجم حياة كريمة أو شبكة الطرق والكهرباء أو قناة السويس أوتطوير العشوائيات وغيرها بطول البلاد وعرضها..؟!
ماذا ينتظر القائمون على الرياضة..هل ينتظرون صفراً أفريقياً جديداً كصفر المونديال مثلاً..أم ينتظرون حتى يسقط منتخبنا أمام مالاوي أو غينيا أو غيرهما من الدول التي كانت تعمل لمنتخبنا ألف حساب..هل ينتظرون أن يُسحب البساط من تحت أقدامنا وتصبح أمجادنا الكروية أثراً بعد عين..ألم يشعر هؤلاء بالخجل من مستوانا الذي جعلنا ملطشة لصغار الفرق الأفريقية..وأين ذهبت روح فانلة المنتخب التي كانت تكفي للصعود لأعلى الأدوار ..هل يستحق اللاعبون الحاليون ارتداء فانلة المنتخب..وهل يُترك المتسببون في هزيمتنا أمام أثيوبيا دون حساب..يا سادة من أمن العقاب أساء الأدب..!!
لماذا رغم كثرة الأحاديث حول ضرورة إصلاح منظومتنا الرياضية..لم تتحقق أي نتائج ملموسة بل ما حدث هو العكس تماماً؛ فالتراجع هو واقع الحال.. فكيف نضمن وجود اتحادات رياضية منتخبة قادرة على التنظيم الجيد للمنافسات الرياضية المحلية والتشجيع الرياضي السليم والمنافسة الشريفة بين الأندية لنشر روح التسامح بينها.
أعود لما قاله السيسي في المؤتمر الوطني السابع للشباب بالعاصمة الإدارية في جلسة "اسأل الرئيس" لأضعه أمام الجميع حتى يكون ماثلاً في الأذهان حيث قال الرئيس: "إن الجدية والتجرد وعدم المبالغة والانتقاء تعد معايير نجاح لأي قطاع في الدولة بما فيها الرياضة، وإنه يجب توفر الدقة في اختيار المواهب في كل القطاعات مع وضع آليات العمل والاختيار دون مجاملة وتساءل وقتها: أين فريق كرة القدم النسائية..؟!
ويحضرني أيضاً ما قاله السيسي في عام 2016 حين كشف أنه يرسل خطاباً شهرياً لرئاسة الوزراء منعاً للمجاملات والمحسوبية قائلاً: "مفيش مجاملة ، وأرسل كل شهر جواب من الرئاسة للوزراء إنه مفيش مجاملات ومحسوبية لحد، وأتفاجأ أنه قريب فلان وأخته . مينفعش".
وفي كلمته أثناء تخريج الدفعة الأولى لطب القوات المسلحة قال الرئيس:" لو عاوزين تكافحوا الفساد في بلدكم متجاملوش حد".
ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يشير فيها الرئيس إلى خطر الواسطة في نشر الفساد؛ لأنها تعني اختيار الأقل كفاءة بسبب نفوذ أسرته أو ماله بينما يتم استبعاد المستحق..يجري هذا في الجامعة وفي البنوك ومؤسسات أخرى عديدة في الدولة".
ولم يكتف الرئيس بذلك بل وجه - خلال أحد مؤتمرات الشباب- نقداً لنظام الإدارة المحلية والحكومية، مؤكداً أن استمرار النظام الإداري والمحليات بهذا الشكل لا يساعد في نقل البلد للأمام، وأن المجاملات في أي قطاع لن تساهم في نجاح أي عمل وتساءل الرئيس في معرض حديثه عن الكرة والفرق الرياضية : ألا يوجد ألف لاعب جيد ؟!
ولا يقتصر الأمر- كما قال الرئيس- على كرة القدم فحسب، بل يشمل كل القطاعات؛ فهناك مواهب كثيرة يمكن اكتشافها، فقط تحتاج إلى فرصة، كما تحتاج كل القطاعات إلى نجباء يجري اختيارهم بتجرد يساعد الدولة على المضي قدما نحو النهضة والتطور..كما وجه الرئيس يومها انتقاداً كبيراً لنظام الواسطة والمحسوبية في اختيار الموظفين واللاعبين والمديرين..وتلك ولاشك رسالة للجميع وأولهم الحكومة، رسالة تقول بوضوح: الكفاءات والمواهب يجب أن تتقدم على ما سواها من واسطة ونفوذ ومجاملة لاسيما في المناصب والمواقع القيادية، وإعطاء كل ذي حق حقه بلا إبطاء ولا تسويف وألا يقدم أحدٌ مهما يكن على صاحب الحق، وأن يعامل كل مسئول مع وظيفته من منطلق التوجيه النبوي الشريف" كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته".
ومن هنا نتساءل أيضاً: ماذا يمنع أن يكون لدينا مشروع متكامل للنهوض بالرياضة ولعباتها المختلفة؛ ناشئين وكباراً، مدربين وإداريين وحكاماً، مستفيدين من تجارب دول ناجحة كانت مثلنا ثم تقدمت لتحتل مراكز متقدمة عالمياً وصار لديها نجوم كبار تتخطفهم الأندية الكبرى.
أعتقد أنه آن الأوان لاستحداث لجنة رفيعة تضم أساتذة رياضة وخبراء مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والرؤية لتضع أساساً قوياً لمشروع رياضي قومي شامل لاكتشاف النجوم في طول البلاد وعرضها، جنب إلى جنب تشخيص آفتنا القائمة والبدء في علاجها فوراً بحلول علمية ناجعة تتوخى الموضوعية والأمانة وتراعي المصلحة العامة.
لابد أن نبدأ فوراً في علاج ظاهرة خطيرة وهي التعصب في الرياضة والتي نراها بشكل يومي عبر مقالات مكتوبة بحبر العاطفة وبرامج تطفح عنصرية وتحريضاً وتحتاج لإعادة نظر حاسمة في الإعلام الرياضي ومراجعة معايير أدائه وتقييم مستمر لإنهاء ظاهرة الاستقطاب والتوتر والتعصب الأعمى للأندية في الملاعب وعلى منصات التواصل الاجتماعي والدفع بكفاءات ذوي علم وخبرة وسمات شخصية تساعد صاحبها على الحوار بطريقة موضوعية وحضارية وطرح فكر رياضي مستقل ومختلف والأهم أن تتمتع بالأخلاق الرياضية قبل كل شيء.
إن شعبية كرة القدم وكونها أهم مصادر الاستثمار وجلب الإيرادات لخزينة الأندية لا مبرراً لرئيس النادي- أي نادٍ- أن يمارس دور المشجع والمدرب والناقد والإعلامي والإداري؛ فالنادي مؤسسة اجتماعية وثقافية ورياضية يُفترض أن يدار بطريقة مؤسسية كما أن حل مشكلة التعصب مسئولية تربوية واجتماعية تتطلب تكاتف الجميع لمواجهتها، والبداية لابد أن تكون من الأندية ورؤسائها الذين ينبغي لهم أن يكونوا قدوة، كما ينبغي للإعلام الرياضي أن يكون محايداً ومستقلاً ومتطوراً ..وهنا نتساءل كيف يحدث ذلك؟
التطوير يبدأ بتعديل اللوائح والنظم واختيار كفاءات إعلامية تجمع بين التأهيل العلمي والخبرة والالتزام بأخلاقيات المهنة وأدبيات الحوار وأساسيات النقد وعدم استضافة المتعصبين الذين يثيرون الفتن ويؤججون المشاعر ويزهقون الروح الرياضية بلا عقل ولا ضمير؛ ذلك أن النقد البناء يقوم على المعرفة والخبرة،ويلتزم أخلاقيات المهنة، ويهدف للتطوير ويلتزم الموضوعية والحياد و يتجه للأداء وليس للأشخاص، ويبني رأي عام واعياً ومستنيراً ويحترم الاختلاف في الرأي..فهل يتوفر مثل هذا الإعلام في الحوارات والبرامج التليفزيونية أو المقالات الصحفية..للأسف ما يحدث واقعياً أن أغلب المتحاورين والمحللين في البرامج الرياضية هو مجموعة من مشجعي الأندية أو أعضائها ويدلي كل منهم بآراء وأحكام جاهزة وقاطعة غير قابلة للنقاش والأخذ والرد لصدورها عن عقل يسيطر عليه فكر المؤامرة.
كرة القدم نشاط رياضي جميل له فوائد صحية واجتماعية عديدة وهي ترفيه ممتع، وقوة ناعمة بحكم شعبيتها العالمية ويمكن للدول استثمارها للتسويق لها ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً ..وهي رياضة مشوقة وصانعة للبهجة بشرط أن تخلو من التعصب الأعمى الذي يتسبب فيه الإعلام الرياضي المنفلت..وقد آن الأوان لإصلاح هذا الإعلام لوقف الفتنة ..ويجب إصلاح منظومة الرياضة بكامل عناصرها ومراجعة اختيار تلك العناصر من لاعبين وحكام ورؤساء أندية واتحادات ومقدمي برامج وإداريين حتى تتحق الغاية المرجو بتحقيق البطولات ورفع راية مصر عالمياً وقارياً..ونشر روح التسامح والأخلاق في ملاعبنا وشوراعنا وأنديتنا..وتلك أسمى الغايات.