رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

طه حسين .. نعرفه جميعا .. بالرغم من اننا لم نعش عصره .. لكنه مازال حيا .. فى وجداننا وضمائرنا .. ونحن نعرف جيدا .. انه تولى ارفع المناصب واعلاها .. من استاذ جامعى .. الى عميد كلية الآداب .. ثم رئيس الجامعة .. فوزير التربية والتعليم .. بالاضافة إلى كونه أبرز ادباء عصره .. وواحد من أبرز من تولى تحرير جريدة الجمهورية .. اعتلى .. اكبر مناصب صاحبة الجلالة .. وقد لفت انتباهي .. العلاقة المميزة بين ادباء وكتاب هذا العصر .. بداية من مقدمة كتاب .. رسائل طه حسين للكاتب ابراهيم عبد العزيز .. التى كتبها الأديب العالمى نجيب محفوظ .. يتحدث فيها عن استاذه د. طه حسين .. ومعلمه فى كلية الآداب جامعة القاهرة .. يقول نجيب محفوظ .. انه كان حريصا اشد الحرص .. على حضور محاضرات د. طه حسين .. حتى محاضراته فى الأقسام الأخرى .. يواظب على حضورها .. ويضيف نجيب محفوظ .. انه عندما التحق بكلية الآداب .. قسم اللغة العربية .. كان طه حسين .. عميدا للكلية واستاذا محاضرا فى نفس الوقت .. ويضيف .. ان طه حسين .. كان يرفض تماما .. ان يكتب الطلبة المحاضرات .. وكان يقول لنا : اكتبوا المحاضرات كما استوعبتها عقولكم .. ولديكم المراجع فى مكتبة الجامعة .. فكانت تربيته الجامعية لنا .. تربية عالية جدا .. لذلك كما يقول نجيب محفوظ .. اعتبرنا قرار إخراجه من الجامعة كارثة .. وقمنا باضراب داخل كلية الآداب .. ويضيف نجيب محفوظ .. ان طه حسين .. كتب مقالا عن " زقاق المدق " .. قال فيها .. انها رواية تصل لمستوى الأدب العالمى .. وأنه كان يذهب لمقابلة د. طه حسين .. فى بيته .. احيانا بصحبة ثروت اباظه وأحيانا لوحده .. وبالرغم من استاذيته .. الا اننا كنا نشعر بتبسطه معنا .. وهو يتحدث إلينا .. هكذا كان طه حسين .. اول من تنبأ بعالمية نجيب محفوظ .. ويصف محفوظ طه حسين بقوله : لقد كان رجلا عظيما مضيئا فى شخصيته .. وفى ترجمته لأدب الاغريق .. ومؤلفاته الأدبية والعلمية .. فمن ذا الذى يستطيع ان يجمع بين الفن والعلم ويجيد فيهما كما فعل طه حسين .. الا ان يكون رجلا عظيما .. انه رجل ملأ عصره .. ولا يزال .. وفى كل الأحوال نعجب بطه حسين ونعجب له .. ونحبه ونقدره .. باعتباره رمز من رموز النهضة الأدبية والفكرية فى القرن العشرين .. كل هذا الكلام .. قاله نجيب محفوظ .. فى مقدمة كتاب رسائل طه حسين .. لكن .. تعالوا نتوقف امام ما كتبه طه حسين عن نفسه .. يقول : اعرف عن نفسى .. انها نفس مؤمنة .. ايمان القلب والعقل جميعا .. واعرف فيها التصميم حين تريد .. واعرف فيها الصبر على باساء الحياة ونعمائها جميعا فما تعرف اليأس .. لأن بؤس الحياة ونعماءها اعراض زائلة .. يضيف طه حسين عن نفسه : على هذا الإيمان .. وهذا التصميم وهذا الصبر .. مضيت فى الحياة .. حتى نصير ذكرى فى ضمائر الاجيال .. فإن الإيمان والتصميم والصبر والضمير .. هم الحياة .. الحياة التى تحقق معنى وجود الانسان الحى الممتد بآثاره فى الانسانية الباقية .. هذه السطور املاها طه حسين عن نفسه .. كأنه أراد أن يعرفنا بنفسه فى سطور قليلة .. من هو .. والاهم تركيزه على الصبر والإيمان ..والارادة ( التصميم ) .. وكأنه يريد ان يكشف لنا سر تغلبه عل معاناته .. بالايمان والصبر والتصميم .. ويحكى طه حسين قصة مؤلمة .. عندما كان يدرس فى جامعة السوربون بباريس .. كان عليه ان يذهب لقسم شرطة الحى اللاتينى .. الذى يقيم فيه بجوار الجامعة .. ليقدم أوراقه التى تثبت شخصيته .. نتيجة الحرب العالمية الأولى .. التى جعلت الحكومه الفرنسية .. ان تخضع الاجانب فى فرنسا لملاحظة دقيقة .. ومراقبة شديدة .. وان تضعهم تحت المراقبة .. وان يحصل على بطاقة شخصية من قسم الشرطة .. ورفض الموظف الفرنسى .. إثبات جنسية طه حسين .. بأنه مصريا .. وامضى الموظف ساعة كاملة .. يقلب فى الدفاتر والكتب .. ثم قال لطه حسين .. انت رعية عثمانية ومحمى بريطاني .. رد طه حسين .. انا مصري ولا اعرف سوى انى مصريا .. اجاب الفرنسى : انت مصرى ولكن هذا لا يمنحك جنسية سياسية .. فالجنسية المصرية غير موجودة .. وقدم لطه حسين البطاقة مسجلا بها .. انه رعية عثمانى ومحمى بريطاني .. وهكذا حتى معاهدة ١٩٣٦ .. حيث حصلت مصر على استقلالها وأصبحت عضوا بعصبة الأمم ( الأمم المتحدة ) ومعترفا بجنسيتها المصرية طبقا لمعاهدة ١٩٣٦ .. وللاسف حققت هذه المعاهدة استقلالا ناقصا لمصر .. فالاحتلال الإنجليزى .. كان لا يزال قائما حتى عام ١٩٥٤ .. بمعاهدة الجلاء التى أخرجت اخر جنود الاحتلال من مصر .. واتوقف امام ما ذكره الكاتب الأمريكي رونالد روبينسون .. فى كتابه " اهم مائة شخصية فى العالم " .. حيث وضع د. طه حسين ضمن الرجال العشرة الأوائل الذين اثروا فى عصرهم .. مع برتراند راسل وتشرشل واينشتاين وفولتير .. وغيرهم .. تقول الفتاة الفرنسية سوزان التى تزوجها طه حسين الكفيف .. كانت زميلته فى السوربون .. انها كانت قلقة جدا .. وهى فى طريقها الى منزل والدى طه حسين فى صعيد مصر .. بكوم امبو .. تقول : استقبلانى بحرارة .. بالرغم من كونى مسيحية .. ووالده شيخ اسلامى .. وقد ادهشنى ذلك الاحترام الذى كان يلقاه فى القرية .. وكان يحب القراءة .. وقد أعلنت سوزان اسلامها بعد ذلك من تلقاء نفسها .. نحن امام طه حسين .. نشعر انه رجل يحمل النبوغ والعبقرية .. وقبلهما الإيمان والإصرار على النجاح .. والانتصار على كل العقبات .. حتى لو كانت الاصابة بالعمى فى سن مبكرة .. انه طه حسين .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة